مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

ادعاء أن النبوات والمعجزات والشعائر الدينية خرافات (*)

مضمون الشبهة:

يدعي بعض الجاهلين أن النبوات والمعجزات والشعائر الدينية ما هي إلا خرافات وأساطير، وأن الله - في فهمهم - كصانع الساعة؛ صنعها، ثم انقطعت صلته بها، وهي تعمل بذاتها دون تدخل منه.

وجوه إبطال الشبهة:

1) إن بعث الله - عز وجل - للأنبياء والرسل كان لحكم إلهية جليلة وضرورات بشرية عديدة: عقلية، وتكوينية، وشرعية، ونفسية. فليست النبوات خرافات، وما ينبغي لها أن تكون كذلك.

2) المعجزات خرق للنواميس المعتادة، وهي إحدى علامات النبوة، التي تدفع الناس إلى التصديق بالأنبياء والإيمان بما جاءوا به.

3) الطقوس وشعائر العبادة لا تخلو منها ديانة، والذين ينكرون الأديان هم أنفسهم يقدسون رموزهم، فاستبدلوا بذلك عبادة باطلة بعبادة حقة.

4) الكون لا يشبه الآلة الصماء "الساعة"، ولكنه يمر بتحولات وينتقل من حال إلى حال؛ فهو بذلك ألسنة ناطقة بافتقاره الدائم إلى صانعه ومدبره.

التفصيل:

أولا. الحكم والضرورات التي تقف وراء إرسال الله - عز وجل - أنبياءه ورسله:

لقد بعث الله - عز وجل - أنبياءه ورسله ليبلغوا رسالته لعباده؛ فيخرجوهم من الظلمات إلى النور بإذنه. وإن هناك ضرورات عديدة وحكما إلهية جليلة، تقف وراء بعثهم، وذلك على التفصيل الآتي:

1.  الضرورة العقلية:

إن الإنسان خلق - بفطرته - وفي داخله قوتان متصارعتان: الخير والشر، قال سبحانه وتعالى: )ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8)( (الشمس)، وهذا ما نعبر عنه بالجهاز العقلي الكاشف والداعي للخير من جانب، ومن جانب آخر الأهواء والشهوات الداعية للشر واللهاث المادي، فأمام إغراءات الدنيا وشهواتها يتضاءل دور العقل، فينسى الإنسان الفطرة السليمة والعقل النير؛ فيمشي خلف شهواته الدنيوية، بينما تبرز حاجة العقل البشري إلى القوة الغيبية المبدعة التي طالما تنادي بيقظة العقل وإثارة دفائنه، وتنبهه، فقال سبحانه وتعالى: )فذكر إنما أنت مذكر (21)( (الغاشية)، وقال كذلك: )سيذكر من يخشى (10)( (الأعلى).

فكلما ابتعد الإنسان عن رؤى عقله، أو بمعنى آخر كلما حجبت الأعمال السيئة دور العقل نادى الرسول - أي رسول - ونادت الرسالة الإلهية بالعودة إلى دور العقل والتفكير في سبيل النجاة ضمن البرامج الشرعية، وفسح المجال أمام الشهوات لتحقق بالطرق المشروعة إنقاذ الإنسان من عقد الكبت والانعزال، وهنا تحقق العدالة الإلهية بأوسع معانيها؛ حيث نلاحظ أن جانب الفجور لدى الإنسان له ما يثيره ويستهويه ويجلبه ويحركه نحو الشر، ويزين له النتائج، ذلك الشيطان والدنيا واللذات والغرائز الفطرية، فمن الطبيعي أن تشملنا العدالة الإلهية، حيث يضع العدل الإلهي من يذكر الإنسان ومن ينبهه ويجليه ويهذبه، فمن ذلك الرسول والرسالة، وهذا هو الهدف الرئيسي من إرسالهما.

فالنبي المرسل والرسالة السماوية إذن ضرورة عقلية، فلا بد من الرسول ومن الرسالة لتحقيق العدالة الإلهية، والتوازن الطبيعي ما بين قوى الشر وقوى الخير المتصارعة في ذات الإنسان وعمق المجتمع البشري، ولا بد من الانتصار للعقل الإنساني، فهو بحاجة ماسة إلى دعم غيبي لينتصر على قوى الشر، كما أن لقوى الشر من يثيرها وينتصر لها من الأهواء والشيطان والدنيا، والآن وبعد تحقق الموازنة وإتمام الحجج الباطنية والظاهرية يترك الإنسان إما شاكرا، وإما كفورا، كما يقول القرآن: )إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3)( (الإنسان).

وأما من يدعي قدرة العقل على التوجيه والهداية للإنسان من دون الأنبياء والرسالات، فهو بعيد عن الدقة مخالف للصواب، إذ نلاحظ عبر التاريخ أن المصلحين مهما بلغوا من القدرة العقلية ما استطاعوا تحقيق التوجيه والهداية بالشكل المطلوب؛ لأن عقولنا مهما بلغت فهي قاصرة عن الإحاطة بأسرار الكون والغيب، وعن معرفة المكاسب والمصالح بالشكل التام، فنقرأ بالتاريخ أن عقل الإنسان اخترع له ربا من حجر أو من تمر فأكله حينما جاع، وقسم الآلهة إلى إله للسماء وإله للأرض وإله للزرع وإله للحرب.... ويروون عن الآلهة كيف تفعل النكرات وما شابه ذلك، وكلها تصورات ونظريات ساذجة للعقل الإنساني سرعان ما تتغير، بل كثير من النظريات حتى العلمية الحديثة منها ما يفند بعضها بعضا، فمثلا الطبيعة تتبدل وتتغير من زمن لزمن، وكثير من الأسرار في الطبيعة والكون يكتشفها العقل بعد مرور فترة زمنية.

والله - عز وجل - لا يفعل شيئا هباء أو لغوا، بل إنه يعلم علم اليقين أن هذا المخلوق - الإنسان - لا يستطيع أن يدير نفسه بنفسه مع منحه القدرة العقلية الكبيرة؛ ولذلك أرسل الرسل عليهم السلام وأنزل الكتب؛ لتنظيم حياة الإنسان، ووضع الضوابط اللازمة في حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولو أن الله تعالى كان يعلم بعلمه الغيبي أن الإنسان يستطيع أن يستغني عن الرسالة والرسول بالاعتماد على عقله وما زوده من إمكانيات ذاتية - لتركه لشأنه، بينما نحن نلمس الحاجة الماسة للمنهج السماوي، الذي عرفه لنا سبحانه وتعالى، فهو خالقنا وهو العالم باحتياجاتنا، وعقولنا كذلك بحاجة ماسة إلى منهجية السماء الثابتة لرسم قوانين الدنيا من العلاقات الاجتماعية: كالزواج والإرث والمعاملات الأخرى؛ لكي يتحقق رضا الله بتطبيق قوانينه الشرعية، وكذلك تبيان المفاهيم الإسلامية بالشكل العلمي، كالعدالة والمعاد والجنة والنار والثواب والعقاب.

2.  الضرورة التكوينية:

حينما نسأل عن هدف الخلق، ولماذا خلق البشر؟ يجيبنا القرآن الكريم: )وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56)( (الذاريات)، وإذا سألنا ما الهدف من العبادة؟ حينها نعرف أن العبادة هي التي تضمن لنا سعادة الدنيا والآخره، فنخرج بنتيجة واضحة، هي أن الهدف هو تحقيق المصلحة والسعادة للإنسان نفسه: )إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم( (الإسراء: 7).

 فبالضرورة التكوينية نكتشف ضرورة النبوة كي تكتمل الصورة من كل جوانبها، فلو لم تكن الرسالة السماوية موضحة لنا طريق الكمال والسعادة، ما اكتملت الصورة التكوينية للحياة بصورة عامة، وبالنسبة للإنسان بصورة خاصة. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن تكوين حياة الإنسان يحتم أنه بحاجة إلى أخيه الإنسان، وبحاجة إلى المجتمع والأسرة والأرض:

فالناس للناس من بدو ومن حضر

بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

فالإنسان إذن خليفة الله على الأرض، وهذا المخلوق بحاجة إلى ضوابط للطموحات النفسية التي لولاها لضاعت القيم الإنسانية، وبدأ الواحد يأكل الثاني على قاعدة "فاز باللذات من كان جسورا".

وهذه الضوابط المذكورة تحدد العلاقة بين العقل الإنساني المدبر والمستثمر لما حوله من الوجود، وما بين العقول الإنسانية الأخرى من جهة، ومن جهة أخرى بينه وبين الطبيعة ذاتها، أي بينها وبين طرق الاستثمار الممكنة من الموجودات بصورة عامة، والتي يريد استثمارها.

فللنبوة إذن ضرورة تكوينية لاكتمال الصورة التكوينية للوجود، يقول د. إميل درمنجهام في كتابه "حياة محمد": "إن وجود الأنبياء ضروري لهذه الدنيا بمقدار وجود القوى الطبيعية النافعة والعجيبة: كالشمس والمطر..."، فالنبي خليفة الله في الكون خلافة كونية، وعلى الناس والقانون خلافة تشريعية فضرورته إذن تكوينية كما أنها تشريعية.

3.  الضرورة الشرعية:

القوانين الإلهية وتشريعات الحلال والحرام في المسائل الشخصية، والمعاملات العامة، والآداب، والعلاقات العامة، والأخلاق، والسياسة، وما يتصل بهذه القوانين من أمور فرعية كل ذلك بحاجة إلى تبيانه وتطبيقه، وهذا ما يقوم به النبي المرسل لتوضيح رسالة السماء، هناك إذن ضرورة شرعية في بعث النبي والرسالة، فالنبي المرسل يعتبر المبلغ لإرادة الله الشرعية، وعن طريقه يتم التبليغ بأحكامه الشرعية، ولولاه لما استطعنا أن نحرز رضا الخالق الكريم عبر تطبيق دساتيره، فقد قالى سبحانه وتعالى: )قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين (67) أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68)( (الأعراف).

 ومن ناحية ثانية نحن - البشر - لا ندرك سوى هذا العالم المحيط بنا بنسب معينة من العلم به، فنحن بحاجة إلى معرفة أبعاد خلق الله - عز وجل - وما أعد للإنسان في الآخرة من ثواب وعقاب، وكيف نعتقد بالعودة يوم القيامة، حيث الحساب؟ وقبل يوم الحساب عالم البرزخ؟ وما الذي يجري في عالم البرزخ وكيف يكون القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النيران...؟ هذه الأمور وضحها الأنبياء - عليهم السلام - لنا، فالإنسان وحده لا يمكنه أن يتعرف على هذا المستقبل المبهم بوحي من نفسه لذلك نحن نحتاج إلى من يرفع عنا هذا الإبهام، ويعطينا أسس الاعتقاد والإيمان بالمعاد والبرزخ والجنة والنار والنعيم والعذاب، فمن مهمات الرسالة السماوية والنبي المرسل توضيح هذا المستقبل المرتقب.

ومن ناحية ثالثة نحن بحاجة إلى برنامج روحي يضمن سلامة الاعتقاد وصلاح النفس والثبات على المبدأ عن طريق العبادة، أو سبيل التزكية للنفس لضمان الاستقامة، وهذا ما يوضحه لنا كذلك النبي المرسل والرسالة السماوية. قال سبحانه وتعالى: )هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2)( (الجمعة).

ومع فقدان هذا البرنامج سيجزأ الفراغ العقائدي إلى عقائد، أو اختلاق أفكار تسد هذا الفراغ العقائدي؛ فيتمسك بها الإنسان على مستوى الخرافات والتقاليد الرجعية التي لا تعرف العلم والوجدان والحق، كما كان لدى الهنود تقاليد دفن الزوجة وهي حية مع زوجها المتوفى، وكان عند بعضهم الآخر من الهنود عقيدة أكثر فسادا وانحرافا من هذه، حيث يحرقون الزوجة أو الزوجات على قبر الزوج المتوفى بعد أن تخرج مسيرة كبيرة لتشييع جثمان الزوج، هذه المسيرة ترفع الأناشيد والأهازيج بالطبول والمزامير حتى تصل إلى القبر، فتنصب محرقة ضخمة على القبر بعد دفن الزوج، لترمى فيها الزوجة المسكينة أو الزوجات طعمة لهذه النار الملتهبة.

بينما الشريعة السماوية تضع برنامجا روحيا خالصا من هذه الشوائب الغريبة وتحدد حقوق الرجل كما تحدد حقوق المرأة، وتبين ضوابط هذه الحقوق، مما يلائم الفطرة والشرف والكرامة. قال سبحانه وتعالى: )رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل( (النساء: 165).

4.  الضرورة النفسية:

قال سبحانه وتعالى: )لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة( (الأحزاب: 21)، إن مسألة القدوة في الحياة مسألة في منتهى الأهمية، ذلك أن الإنسان يرسم لنفسه أهدافا معينة في الحياة، فإن كانت هذه الأهداف قد نفذها آخرون من قبله، وهو يعتبرها سامية في نظره، فسرعان ما يطبقها مستلهما من المطبق الأول أسلوبه ومنهجيته، والمسألة اعتيادية بالإضافة إلى أهميتها الكبيرة، وخاصة في قضية مجاهدة النفس وتزكيتها، وفي القيم الأخلاقية العالية، والتربية المركزة.

وحينما نقف في دراستنا على كيفية تعامل النبي - أي نبي - مع الحياة الدنيوية وغرور الدنيا وزخارفها، ندرك أهمية القدوة الحسنة في الحياة، فيبدأ الإنسان المؤمن مجاهدا نفسه للسير على تلك الرؤى، أو الاقتراب من تطبيق تلك النظرات الواعية.

وهكذا نلاحظ أن حيزا واضحا في ذهن الإنسان يستدعي التقليد لشخص ما وفي أمر ما إيجابا أو سلبا حسب النظرة الأخلاقية، فهناك من يقلد رياضيا ناجحا لملء الفراغ الذهني، وهناك من يقلد نبيا مقدسا، ويتخذه كما في الآية المتقدمة قدوة حسنة، فمن هنا جاءت السنة الشريفة في موقع المصدر الثاني - بعد القرآن الكريم - في القضية التشريعية، فكل قول وفعل وتقرير يصدر عن نبينا المعصوم - سبحانه وتعالى - يعتبر سنة، وعلى المسلمين أن يتخذوا ذلك دستورا في تطبيق أوامر الله ونواهيه.

إن البناء النفسي للإنسان هو الهدف الأسمى في الحياة؛ حيث يجسد مهمة الأنبياء والرسل، ومتى بني الإنسان نفسيا على الأسس الشرعية بنيت حضارة إنسانية ملؤها العدل والحنان، وإن البناء الذاتي المستقيم أصعب المهام التربوية؛ لذلك تسعى التربية الإسلامية لضبط البنى التحتية للمجتمع المسلم على أسس نقية لتتم عملية إنماء القيم الإيجابية في الداخل من الخير والعطاء والاستقامة، فالمسألة إذن في غاية الأهمية والخطورة،وقد كان الإسلام حريصا منذ ظهوره على تربية أفراده على جهاد أنفسهم،وتقويم معتقداتهم وسلوكياتهم كما كان حريصا على مجاهدة الأعداء الذين يصدون عن سبيل الله وينافحون انتشاره وتبليغه.

 وجهاد النفس هو البناء المتين لنفسية الإنسان عبر الترويض والمعاناة لخلق الإنسان المجاهد المضحي العابد المطبق لأوامر الشريعة.

ومسألة نفسية أخرى تتضح من النبوة، وهي أن الأنبياء من البشر أنفسهم، لا من جنس آخر متباين مع الجنس البشري، ولو كان النبي كذلك لصعب اتخاذه قدوة حسنة، فحينما يكون النبي من الناس، اختاره الله - عز وجل - أسباب معينة؛ فهو من صميم المجتمع البشري ويعيش واقعيات الناس، ويتداخل معهم، ويتقاطع مع حياتهم في التعاون والمحبة والزواج والتجارة والقيادة في الصلاة وساحة القتال، فالصورة تكون متكاملة وواضحة، مما يوفر على النفس الإنسانية ضغطا طبيعيا للاستجابة للقرار الشرعي والبلاغ الإلهي منه، فقد قال سبحانه وتعالى: )قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد( (الكهف: 110).

 فالفارق الرئيسي بين النبي وبقية البشر هو الوحي المنزل من الله - عز وجل - كما تشير الآية المباركة. أما لو كان النبي من الملائكة أو الجن أو أي جنس آخر، لما استطاع أن يترك الأثر النفسي المطلوب والمناسب في الناس، ولما أمكن اتخاذه قدوة في الحياة البشرية، ولما انسجم الناس معه بالشكل الذي نراه اليوم من تعلق وانصياع وطاعة، وإن كان بعض الناس يعتبر كون النبي من الناس أمرا لا يستسيغه الذوق، فلذلك كانت تكثر الشبهات حول النبي انطلاقا من هذه الفكرة، لقد كانوا يريدونه نوعا من المخلوقات خاصا بطبائعه مترفعا عن عادات الناس، كالملائكة مثلا، ولنقرأ معا هذه الآيات الكريمات: )قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا( (إبراهيم: 10)، )ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون( (المؤمنون: 33)، )وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق( (الفرقان: 7).

إن النبوة والرسالة تخلقان في الإنسان هذا الجو النفسي الهادئ المطمئن والمطبق للتشريع بكل تطوع وإرادة، وبهذا تتجلى الضرورة النفسية للنبوة بأبعادها الرئيسية.

5.  اللطف الإلهي:

الله - سبحانه وتعالى - هو الذي خلقنا وأرشدنا لفعل الخير والصلاح، وحذرنا من فعل الشر؛ لأننا نجهل الكثير من مصالحنا ونتائج أعمالنا، فهو سبحانه أجل وأعظم من أن يورط عباده بجهلهم، بل أراد أن يسعدهم في حياتهم الدنيوية، ويجعلهم في الآخرة من الناجين من العذاب، فهو اللطيف بعباده والرءوف بهم، فلا يترك العباد سدى دون توجيه، فمن باب لطفه وحنانه بعث لنا الرسل؛ كي يوضحوا لنا السبل الخيرة ويميزوها عن السبل الشريرة: )إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3)( (الإنسان)، وما دام الشكر والكفر يمثلان الأرضية المناسبة في نفسية الإنسان، فقد قال سبحانه وتعالى: )ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8)( (الشمس)، وقال سبحانه وتعالى: )كلا إن الإنسان ليطغى (6)( (العلق).

إن آية سورة العلق السابقة توضح لنا الجانب السلبي لدى الإنسان؛ أي أن هناك استعدادا في نفسيته لهذا الانحراف والفجور والطغيان إلا من رحم ربي: )إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم (53)( (يوسف).

 وأمام هذه الأرضية هنالك أرضية لدى الإنسان موازية لها، وهي الأرضية الإيجابية، فقد قال الله عز وجل: )ولا أقسم بالنفس اللوامة (2)( (القيامة)، وقــال أيضـا: )يـا أيتهـا النفـس المطمئنــة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28)( (الفجر).

إن حالة الصراع الدائمة بين الطرفين في داخل النفس الإنسانية في تفاعل مستمر، فلا بد من التوجيه الرباني لهذا الصراع الدائم، فمن كماله - عز وجل - المطلق، ومن باب لطفه بعباده أرسل الرسل ليتم نعمته على البشر )اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا( (المائدة: 3)، فالله سبحانه وتعالى يبعث في الناس رحمة لهم ولطفا بهم: )رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة( (الجمعة)، وينذرهم مما فيه فسادهم، ويبشرهم بما فيه صلاحهم وسعادتهم، فهو اللطيف بعباده الجواد الكريم، فلا غرو إذن أن يفيض لطفه؛ إذ لا بخل في ساحة رحمته، ولا نقص في جوده وكرمه.

تعقيب:

فعلى ما تقدم من ضرورات النبوة وقاعدة اللطف الإلهي نرى أن الشريعة الإلهية توفر وتؤمن للإنسان حاجاته الفكرية والروحية والمادية بالطرق المشروعة، وتؤمن له حريته في الحياة، وتمنحه حقوقه المشروعة، وتتماشى مع الواقعيات الحياتية بأبعادها الواسعة مراعية للظروف الطارئة والمتغيرات الجزئية أو الكلية.

وبهذا البيان يبطل الزعم القائل: إن النبوات خرافات، بعدما أثبتنا أنها ضرورة لإنقاذ وتوجيه الإنسانية جمعاء، و"الإيمان بالنبوة وبإرسال الأنبياء ليس بالأمر العجيب بعد الإيمان بكمال الله وحكمته ورحمته ورعايته للكون وتدبيره للعالم وتكريمه للإنسان، بل هذا الإيمان فرع عن ذلك، فما كان الله ليخلق الإنسان، ويسخر له ما في الكون جميعا، ثم يتركه يتخبط على غير هدى، بل كان من تمام الحكمة أن يهديه سبيل الآخرة كما هداه سبيل الحياة الدنيا، وأن يهيئ له زاده الروحي، كما هيأ له زاده المادي، وأن ينزل الوحي من السماء ليحيي به القلوب والعقول، كما أنزل من السماء ماء لتحيا به الأرض بعد موتها.

ما كان من الحكمة أن يترك الإنسان لنفسه تتنازعه قواه وملكاته المختلفة، وتتنازع الجماعة أهواؤها ومصالحها المتضاربة، وإنما كانت الحكمة في عكس هذا؛ كانت الحكمة في إرسال رسله بالبينات، ليهدوا قومهم ويخرجوهم من الظلمات إلى النور، قال سبحانه وتعالى حكاية عن هود عليه السلام: )قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (61) أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (62) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون (63)( (الأعراف)، ويقول - سبحانه وتعالى - ردا على المشركين الجاحدين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم: )أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين (2)( (يونس) [1].

ثانيا. المعجزات خرق للنواميس المعتادة وليست خرافة:

إن المعجزة أمر خارق للعادة يجريها الله على يد أنبيائه ورسله، ليتحدوا بها قومهم، والهدف منها تأكيد أن النبي - أي نبي - مرسل من عند الله، فالله هو الذي أوحى إليه وأرسله، وهو الذي أجرى المعجزة على يده، وليس في المعجزة ما يخالف عقلا ولا علما حتى توصف بأنها خرافة، والعلم بطرقه المكتسبة وبوسائله المتدرجة يتوصل إلى بعض ما جاء عن طريق المعجزة مختصرا مختزلا؛ فحمل الريح لسليمان وجنوده معجزة لم تأت نتيجة اكتساب، واستفادة من قوانين الكون، وطيران الإنسان في الجو اكتسبه الإنسان وتدرج في اكتسابه، وإحضار عرش بلقيس معجزة اختصرت الزمان والمكان، بدون وسائل اكتسابه، وتنقل الإنسان بين أقطار الأرض عن طريق الطيران أمر اكتسبه، وتدرج في اكتسابه، ومثل ذلك إسراء النبي معجزة جاءت بدون اكتساب، وشق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - معجزة لم يعهدها البشر في عصر النبوة، ولم يعهدوها اليوم بدون اكتساب، وشق الجسد اليوم للعلاج أمر اكتسابي وليس معجزة، فالعلم لا ينكر المعجزة لغرابتها، بل ربما كانت غرابة المعجزة تفتح للعلم آفاقا رحبة ليسلك الأسباب التي توصل إلى نتائج شبيهة بها.

وما يقال في المعجزة يقال في الوحي، فالوحي خارج عن دائرة العلم التجريبي، فإذا لم يثبته فإنه لا يحق له أن ينفيه، فليس كل ما لم يثبت عن طريق ينتفي من هذا الطريق نفسه، لأنه قد يثبت من طريق آخر.

ثالثا. إن الشعائر الدينية الصحيحة تحمي الناس من الخرافات، فكيف تكون خرافة؟!

إن شعائر العبادة لا تخلو منها ديانة حقة أو باطلة، والذين أنكروا الأديان أنفسهم لجئوا إلى تقديس رموزهم، فاستبدلوا عبادة بعبادة. يقول د. يحيى هاشم: "والشيء العجيب أن الديانات الوضعية ما زالت لها معابد حتى اليوم في فرنسا، أي في عام 1977م، وما زال يحج إليها الوثنيون من أتباع الوضعية المتطرفة، وأشهر هذه المعابد في شارع بابين في باريس، حيث الشقة التي عاشت فيها كلوتيلد، وفي شارع مسيو لي برنس، حيث الشقة التي عاش فيها أوجست كونت، هذا غير عشرات المعابد الأخرى في باريس"[2].

إن الدين الصحيح بعقائده وشعائره يحمي الإنسان من الخرافة؛ لأن الإنسان لا بد أن يدين بدين، ولا بد له من تقديس من يدين له، فإن لم يطفأ هذا الظمأ في دين صحيح؛ فإنه حتما يلجأ إلى سده في خرافة كما رأينا.

إن شعائر الإسلام معقولة المعنى، واضحة الحكمة، ملموسة النتائج والثمار، في تهذيبها للأخلاق، وتقويتها للروابط، وارتقائها بجوانب الحياة كلها: الروحي، والجسدي، والنفسي، والعقلي، والدنيوي والأخروي منها.

رابعا. الكون كله ألسنة ناطقة بافتقاره الدائم إلى صانعه ومدبره:

لما كان الله - عز وجل - خالق هذا الكون ومدبر أمره - والأدلة على ذلك كثيرة، ولا مجال هنا لبسطها، فلا غرو إذن أن يقوم الله - عز وجل - بتدبيره وتصريفه، والكون لا يشبه - كما ادعى مثيرو هذه الشبهة - الآلة الصماء كالساعة، ولكنه يمر بتحولات وينتقل من حال إلى حال، وتحدث له في كل لحظة تغيرات وتقلبات لا حصر لها، مما يدل على أن وراء تقلباته مقلبا، ووراء تصاريفه مصرفا، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن:)إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (83)( (يس)، وقوله سبحانه وتعالى: )إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحـد مـن بعــده إنــه كــان حليمــا غفــورا (41)( (فاطر(،)قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (31)( (يونس)، )فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32)( (يونس).

وتحت عنوان "الكون تحت سيطرة مركزية" يقول إيريل تشستر ريكي، عالم الرياضيات والفيزياء بعد أن يستعرض بعض ظواهر الكون: "فدراسة الظواهر الكونية دراسة بعيدة عن التحيز، وتتسم بالعدل والإنصاف، قد أقنعتني بأن لهذا الكون إلها، وأنه هو الذي يسيطر عليه ويوجهه، أي أن هناك سيطرة مركزية، هي سيطرة الله وقوته التي توجه هذا الكون"[3].

ونخلص مما سبق كله إلى أن مثيري هذه الشبهة الذين أنكروا حقيقة النبوات والمعجزات والوحي والشعائر الدينية، زاعمين أنها ليست إلا خرافات لا حقيقة لها، ثم إنهم لم يكتفوا بذلك كله، ولكنهم تخطوه فراحوا يتهجمون على الذات الإلهية ويجترئون على الطعن فيها، مدعين أنه - عز وجل - يشبه صانع الساعة صنعها ثم انقطعت صلته بها، وكذلك الكون كله في نظرهم - أقول: نحلص إلى أن هؤلاء لم يصدروا في ادعاءتهم السابقة جميعا عن أدلة، ولو واهية ضعيفة، فهم يلقون الكلام جزافا. وقد تكلفت هذه الشبهة برد ادعاءاتهم كلها، وهدمها من أساسها.

الخلاصة:

·       النبوات ليست خرافات - كما يدعي هؤلاء - وإنما هي حقيقة ثابتة، ذات ضرورات عديدة: عقلية، تكوينية، شرعية، نفسية، كما أنها رحمة إلهية، فالنبي - أي نبي - هو حلقة الوصل الطبيعية والشرعية بين الخالق والمخلوق.

·       والمعجزات ليست خرافات، وإنما هي خرق للنواميس المعتادة يجريها الله على يدي رسله وأنبيائه؛ لتصديق النبي بأنه من عند الله، وليس فيها ما يخالف عقلا ولا علما حتى توصف بأنها خرافة.

·   لا تخلو ديانة من الديانات - حقة كانت أم باطلة - من الطقوس وشعائر العبادة، والذين أنكروا الأديان أنفسهم لجئوا إلى تقديس رموزهم، فاستبدلوا عبادة بعبادة. فلا يمكن أن يقال إن الشعائر الدينية خرافات، بل إن الدين الصحيح بعقائده وشعائره يحمي الإنسان من الخرافة؛ لأن الإنسان لا بد أن يدين بدين،ولا بد بتقديس من يدين له،فإن لم يطفأ هذا الظمأ في دين صحيح؛ فإنه حتما يلجأ إلى سده في خرافة،وإن شعائر الإسلام معقولة المعنى،واضحة الحكمة،ملموسة النتائج والثمار في تهذيبها للأخلاق،وتقويتها للروابط،وارتقائها بجوانب الحياة كلها.

·       الكون لا يشبه الآلة الصماء، ولكنه يمر بتحولات وينتقل من حال إلى حال، فهو دائما يفتقر إلى صانعه ومدبره، فكما أن الله خلقه، كذلك بيده تدبيره وتصريفه وتعالى الله علوا كبيرا عن أن يشبه بصانع الساعة.

 



(*) نقد الثقافة الإلحادية، د. أحمد عبد الرحمن إبراهيم، دار هجر، مصر، ط1، 1985م.

[1]. مدخل لمعرفة الإسلام، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، مصر، ط3، 1422هـ/2001م، ص52، 53.

[2]. في مواجهة الإلحاد المعاصر وعقائد العلم، د. يحيى هاشم، د. م، د. ن، د. ت، ص222 وما بعدها.

[3]. الله يتجلى في عصر العلم: ترجمة: د. الدمرداش عبد المجيد سرحان، د. م، د. ن، د. ن، ص108، 109.

read why women cheat on men want my wife to cheat
why do men have affairs redirect why men cheat on beautiful women
click here unfaithful spouse women cheat husband
husbands who cheat open my boyfriend cheated on me with a guy
go using viagra on females how long for viagra to work
where to order viagra online buy viagra free shipping viagra sipari verme
My girlfriend cheated on me find an affair signs of unfaithful husband
My girlfriend cheated on me my wife cheated on me with my father signs of unfaithful husband
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  1833
إجمالي عدد الزوار
  7737511

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع