مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

دعوى أن إعمال قاعدة "درء الحدود بالشبهات" يؤدي إلى تعطيل الحدود (*)

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المشككين أن العمل بقاعدة درء الحدود بالشبهات يؤدي إلى تعطيل الحدود وعدم إقامتها؛ لأنه ما من جريمة إلا ويمكن إيجاد ثغرات بها تكون بمثابة الشبهات التي تحول دون تطبيق الحدود، كما أن هذه القاعدة تتصادم مع تعاليم الإسلام التي تأمر بحتمية تطبيق الحدود دون مجاملة أو مراعاة للوم اللائمين.

وجوه إبطال الشبهة:

1) قاعدة "درء الحدود بالشبهات" هدفها حماية الفرد من الضرر وافتراض براءته أولا، وتفسير الاحتمال لصالحه ثانيا،وهذا يدل على حرص الشريعة الإسلامية على إنصاف المتهمين في الجرائم المنسوبة إليهم.

2) هذه القاعدة تقوي الأدلة التي تثبت الإدانة، وتجعل القاضي المسلم على بينة من حق الفرد في الأمن بحيث لا يقضي بالإدانة إلا بعد ثبوت دليل الإدانة لديه ثبوتا يقينيا قطعيا.

3) ليست كل شبهة مسقطة للحد، بل هناك ضوابط تحكم هذه القاعدة، وهي من أهم مميزات الشريعة الإسلامية وخصائصها التي تفوقت بها على كل النظم والقوانين الوضعية مهما تطور واضعوها وأوغلوا في المدنية والحضارة.

التفصيل:

أولا. قاعدة "درء الحدود بالشبهات" هدفها حماية الفرد من الضرر وافتراض براءته، وتفسير الاحتمال لصالحه، وهذا يدل على عدالة الشريعة الإسلامية:

يعتبر مبدأ درء الحدود بالشبهات من المبادئ الأساسية في الإثبات الجنائي في الشريعة الإسلامية، وعن المقصود من هذا المبدأ وعلته وطبيعته، وعن التمييز بين هذا المبدأ ومبدأ تعارض الأدلة يتحدث د. حسني الجندي موضحا هذه الأمور: توضيحا مسهبا، فيقول: "يقصد بهذا المبدأ تفسير الدليل عند الشبهة أو الشك فيه لصالح المتهم؛ لأنه يكفي بهذه الحالة لتأكيد قرينة البراءة التي يتمتع بها، ويقصد بها في عبارة أخرى: إسقاط عقوبة الحد متى قامت لدى القاضي شبهة حول ثبوت ارتكاب الجريمة الموجبة لهذه العقوبة.

علة القاعدة:

وقد وضعت قاعدة "درء الحدود بالشبهات" - التي قررها الفقهاء - استنادا إلى التطبيق النبوي لحماية الفرد من الضرر وافتراض براءته أولا، وتفسير الاحتمال لصالحه، والتضييق من نطاق العقوبة ثانيا، وجعل القاضي المسلم على بينة من حق الفرد في الأمن ثالثا، وبالتالي افتراض براءته من الفعل المنسوب إليه، بحيث لا يقضي بالإدانة إلا بعد ثبوت دليل الإدانة لديه ثبوتا يقينيا قطعيا، وليس كل شبهة دارئة للحد، إنما على القاضي أن يستنفد جميع الطرق الممكنة للتوصل إلى إثبات الإدانة أو نفيها.

طبيعة القاعدة:

وقد ثار التساؤل حول قاعدة درء الحدود بالشبهات، وهل تدرأ الحدود فعلا بالشبهات؟ وتفرع عن ذلك تساؤل آخر مفاده هل هي قاعدة نصية أم فقهية؟ وفي عبارة أخرى: هل مصدر تلك القاعدة هو النص أم أقوال الفقهاء؟

اختلف فقهاء المسلمين حول هذه المسألة، وتفرع الخلاف إلى رأيين:

الرأي الأول: يقول بأن الحدود تدرأ بالشبهات. وهو رأي الجمهور من الحنفية والمالكية و الشافعية.

ويرى أنصار هذا الرأي أن قاعدة الدرء بالشبهة قاعدة نصية أساسها نص صحيح وارد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقوال الخلفاء الراشدين، وأقوال صحابة رسول الله - رضي الله عنهم - والسلف الصالح، ويذكرون من هذه النصوص ما يلي:

·       السنة النبوية المطهرة:

o  فقد جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فوقع اعترافه وقعا شديدا من النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ يستوثق منه ويعرض عليه الشبهات التي تدفع عنه الحد؛ فيقول له: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت»، فلم يزدد الرجل إلا إصرارا، فلم يسع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن أمر بإقامة الحد عليه وهو كاره - صلى الله عليه وسلم - وذلك أخذا بتلك القاعدة[1].

 

o  ومما يقوي هذا الرأي - أيضا - قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قصة رجم ماعز فيما أخبرنا به جابر بن عبد الله: «فلما وجد مس الحجارة قد اشتد، فر حتى مر برجل معه لحي بعير فضربه وضربه الناس حتى مات، فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: هلا تركتموه». وهذا مبني - من جهة أصحاب هذا الرأي الأول - على أن الحدود تدرأ بالشبهات، وأن ماعزا قال: «إن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير قاتلي. وكان ذلك شبهة له»[2].

·       الخلفاء الراشدون والصحابة والسلف الصالح:

o      قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لئن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات"[3].

o      قال معاذ وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر: "إذا اشتبه عليك الحد فادرأه"[4].

o      قال الإمام الزهري: "ادفعوا الحدود بكل شبهة"[5].

الرأي الثاني: هو المنكر لدرء الحدود بالشبهات. وهو رأي ابن حزم وأصحابه في مذهب الظاهرية، فيذهب إلى أن الحد بعد ثبوته لا يحل أن يدرأ بشبهة، وشنع على ذلك بأن الآثار المذكورة لإثبات الدرء بالشبهات ليس فيها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء، بل عن بعض الصحابة من طرق.

وأشار ابن حزم إلى أن هذا لفظ إن استعمل أدى إلى إبطال الحدود جملة. وهذا خلاف إجماع أهل الإسلام وخلاف الدين وخلاف القرآن والسنن؛ لأن كل أحد يستطيع أن يدرأ كل حد يأتيه فلا يقيمه، فبطل أن يستعمل هذا اللفظ، وسقط أن تكون فيه حجة.

ويؤيد ذلك، رأي في الفقه الحديث، فيذهب إلى نفس ما ذهب إليه الفقيه ابن حزم، ويعتبرها بالتالي قاعدة فقهية أخذ بها، وهي قاعدة اعتبرها الفقهاء كجزء لا ينفصل عن نظام الفقه الجنائي.

الرأي الراجح: هو الأخذ بقاعدة درء الحدود بالشبهات، وهي قاعدة نصية تستند إلى أحاديث الرسولصلى الله عليه وسلم، ولذلك يكون الرأي الأول هو الأولى بالاتباع، ومما يؤيد ذلك:

o  أن الحدود عقوبات جسيمة وقاسية في نفس الوقت: لأنها من ناحية، تنصب - من حيث المحل - على حق الإنسان في الحياة، وتنفيذها قد يودي بهذه الحياة، وحقه في سلامة جسده.

o  كما أن هذا التنفيذ يؤدي من ناحية أخرى إلى إيلام المحكوم عليه والإضرار به، وقد يمتد إلى سمعته واعتباره. ومن أجل ذلك، كانت إدانة المذنب تستلزم دليلا يقينيا لا يتطرق إليه الشك، فإذا وجد هذا الشك، انتفى اليقين الذي نبني عليه الأحكام، ولا يعتد بالتهم والظنون، لأنها مظنة الخطأ.

o  مصدر هذا المبدأ هو الآثار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة رضي الله عنهم، وما يجمع عليه فقهاء المسلمين ماعدا الظاهرية.

ومبدأ درء الحدود بالشبهات ذو نطاق عام من حيث التطبيق؛ إذ يسري على العقوبات المقررة حقا لله تعالى، وتلك المقررة حقا للعبادة، أي لا يقتصر تطبيقه على الحدود فقط، وإنما يشمل عقوبات القصاص، والتعزيز أيضا.

وقد أفاضت كتابات فقهاء المسلمين في شرح هذا المبدأ، وعرضت الصور المختلفة للشبهة؛ فهي إما شبهة تتعلق بالركن الشرعي للجريمة، ويتحدد مجال إعمالها في أسباب الإباحة، دون نصوص التجريم التي تكون ثابتة بالكتاب والسنة في جرائم الحدود ولا مجال للاختلاف عليها، كما في شبهة الحق المسقطة لحد السرقة، وهو ما ينطبق على سرقة الوالد مال ولده، تطبيقا لحديث رسول صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك»[6].

وإما شبهة متعلقة بالإثبات، كشبهة التأخير في تقديم الدليل لأنه يورث الشبهة.

ويتبين مما تقدم أن الشريعة الإسلامية شريعة رحمة وعدل، فهي بقدر ما تقرر من عقوبات شديدة، فهي - في المقابل - تتشدد في إثبات الجرائم المقررة لها هذه العقوبات، وترخص في درء العقوبة إذا ما شاب دليل إثبات الجريمة شبهة أو شك. وتأمر الحاكم بالبحث عن الوسائل التي تمكنه من درء العقاب، ولا يضيرها في هذا الصدد إفلات مجرم أو أكثر من هذا العقاب في كل حالة تتمكن فيها الشبهة.

والأمور التي عرضها فقهاء المسلمين ليست ببعيدة عما تقرره الأنظمة القانونية المعاصرة، فهي وإن لم تجعل من سرقة الولد لمال والده سببا للإباحة أو شبهة تدرأ العقاب، فإنها قد أدخلتها في عدد الجرائم التي تتقيد فيها سلطة النيابة العامة في رفع الدعوى الجنائية عنها على تقديم المجني عليه شكوى عليها، فإن لم تقدم الشكوى لا تملك النيابة العامة الحق في رفع هذه الدعوى. كما أن نظام التقادم معمول به في قوانين الإجراءات الجنائية، وإن كان يوجد اختلاف بين رفع الدعوى وتقديم الدليل على الجريمة، فطالما رفعت الدعوى الجنائية عن الجريمة فإنها تظل قائمة إلى أن تنقضي بأحد أسباب الانقضاء، أما تقديم الدليل فإنه يكون مقبولا في أي وقت طالما لم تسقط الدعوى بالتقادم، ويترك تقديره في هذه الحالة لسلطة قاضي الموضوع.

التمييز بين هذه القاعدة وقاعدة تعارض الأدلة أو البينات:

سبق القول بأن قاعدة "درء الحدود بالشبهات" قاعدة أصولية سندها النص، وهي أصل ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما قاعدة تعارض الأدلة أو البينات فهي فرع عنها، وتؤدي إلى تلك النتيجة التي تؤدي إليها القاعدة الأولى، وهي البراءة. فمتى كانت الأدلة والبيانات المقدمة في الدعوى غير كافية لتكوين اقتناع القاضي بثبوت الجريمة ضد المتهم، فإنه يتعين الحكم بالبراءة.

العلاقة بين هذه القاعدة والقواعد المتعلقة بالإثبات لمصلحة المتهم:

من بين تلك القواعد توجد قاعدة "افتراض براءة المتهم"، وهي قاعدة أصلية في الشريعة الإسلامية، بل هي أصل قاعدة درء الحدود بالشبهات.

فالأصل في الإنسان براءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات، ومن الأقوال كلها ومن الأفعال بأسرها.

ومقتضى هذه القاعدة أن "المتهم بريء في نظر العدالة حتى تثبت إدانته بدليل صحيح"، والدليل الصحيح للإدانة هو الثابت بيقين، أما إذا كان صحيحا على الظن والاحتمال، فإنه يلزم الحكم بالبراءة.

تطبيقات القاعدة:

يظهر تطبيق قاعدة "درء الحدود بالشبهات" بوضوح في الصور الآتية:

1. تخلف شرط الحرز أو النصاب في السرقة، الذي ينفي حد السرقة، وإن كان ذلك لا يمنع من العقاب تعزيرا على الفعل.

2.  كما أن تخلف شرط الإحصان في القذف، يستبعد معه حد القذف، وهو الجلد ثمانون جلدة.

3.  تخلف شرط الوطء في الزنا، ويتحقق فيما يأتي:

·   إنكار المشتبه فيه يعد شبهة تدرأ الحد، وذلك تأسيسا على حديث سهل بن سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا أتاه فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها له، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها"[7].

·   وإذا شهد على شخص ثلاثة بالزنا، وقال الرابع: لم أر ما قالوا ولكني رأيتهما في لحاف واحد فشهادتهم باطلة؛ لأن الرابع ما شهد بشيء، فلم يتكامل عدد شهود الزنا فلا يجب الحد على المشهود عليه، والأصل في ذلك حديث المغيرة بن شعبة، فإن عمر - رضي الله عنه - أقام الحد على الثلاثة حين امتنع زياد من الشهادة على صريح الزنا ولم يقم الحد على زياد.

·       وإن كان الرابع قال: أشهد أنه زان، ثم سئل عن صفته فلم يصف ذلك، سقط حد الزنا"[8].

ثانيا. هذه القاعدة تقوي الأدلة التي تثبت الإدانة، وتجعل القاضي المسلم على بينة من حق الفرد في الأمن؛ حيث لا يقضي بالإدانة إلا بعد ثبوت الدليل لديه ثبوتا يقينيا:

يشير د. فتحي الخماسي إلى تفعيل هذه القضية في القضاء الإسلامي فيذكر أنه في الوقت الذي شددت فيه الشريعة على المعتدين أقامت مبدأ "درأ الحدود بالشبهات" ليكون له دور أساسي في بيان مدى قوة الأدلة التي تثبت إدانة المجرم بفعله الإجرامي، بحيث لا تحتمل هذه الأدلة أي معنى من معاني الشبهة المسقطة للعقوبة، ولذلك كانت الشريعة حريصة كل الحرص في موضوع الاتهام والإدانة على مصلحة المتهم، وعدت الشبهة من الأمور التي تكون في صالح المتهم لا ضده، وبذلك قررت درء العقاب عن المتهم بأي شبهة تظهر أثناء التحقيق.

وإن أخذ القضاء الإسلامي بهذا المبدأ كقاعدة في الحكم يدل دلالة واضحة على عدالة الشريعة الإسلامية وحرصها على إنصاف المتهمين في الجرائم المنسوبة إليهم، وقد جعلت الشبهات التي تسقط العقوبة عن الجاني أو يكون لها تأثير في تخفيف العقوبة المقررة - مبدأ عاما في قضايا القصاص والحدود والتعازير.

فهي بذلك تعد قاعدة من القواعد العامة والهامة في التشريع الإسلامي التي يعتمد عليها القضاء في الحكم، ولا يمكن للقاضي أن يبت في قضية من القضايا أو خصومة من الخصومات حتى ينظر في هذا المبدأ العام، ويتثبت من عدم وجود شبهة تسقط العقوبة عن المتهم؛ فيكون بهذا قد راعى النصوص الشرعية وتقيد بها والتزم محتواها. وإن دليل الفقهاء: "ادرءوا الحدود بالشبهات..." دليل صريح على تقرير هذا المبدأ العام، وهو - بلا ريب - يتضمن مفهومه تضييق العقوبات وإسقاط الحدود المقدرة شرعا؛ حيث لا يؤخذ أحد بشبهة من الشبهات ولا بمظنة لقوله سبحانه وتعالى: )يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6)( (لحجرات).

وإن الأخذ بمبدأ "درء الحدود بالشبهات" القصد منه أن تكون شريعة الحد قائمة والتنفيذ القليل منها صالحا لإنزال النكال بالمذنبين، أو بعبارة أدق: من يكون بصدد الوقوع في الجريمة.

أنواع الشبهات:

وإذا كان الفقهاء قد أقروا هذا المبدأ، فإنهم لم يتفقوا على كل الشبهات، ولكنهم اختلفوا في الصورة التي تكون شبهة والتي لا تكون شبهة، فالذي يرى انتفاء الشبهة يوجب إقامة الحد، والذي لا يرى ثبوت الشبهة يوجب إسقاط الحد.

وتنقسم الشبهة عند الفقهاء إلى أربعة أقسام نذكرها بشيء من التفصيل:

1. الشبهة في تحقق الركن: إن إثبات الجريمة يحتاج إلى تحقق أركانها ليدان المتهم بفعله، فإذا كانت الشبهة قائمة في ركن من هذه الأركان؛ فإن المدعى عليه يبرأ من الجناية المنسوبة إليه، كما تختلف أركان كل جريمة عن أركان غيرها من جرائم الجنايات والجنح، وإن ثبوت الركن لثبوت الجريمة يعتمد على الحرمة القطعية، أما إذا كان التجريم موضع شك وريبة، وتضمن شبهة من الشبهات؛ فإنه يوجب بذلك إسقاط العقوبة عن الفاعل، كذلك إذا كانت الشبهة قائمة في انطباق النص المحرم على الفعل المنسوب للمتهم، فإنه في هذه الحال لا يعاقب لا حدا ولا تعزيرا، وكذلك شرط الفعل أن تكون الشبهة قائمة في ثبوت الجريمة والأمثلة على ذلك كثيرة نورد بعضها لبيان أحوال هذه الشروط في الشبهة:

فمثال الأول: إذا وقع الرجل على غير زوجته على اعتقاد أنها حليلته سقط عنه حد الزنا لانعدام تحقق القصد الجنائي باعتبار أنه ركن من أركان جريمة الزنا.

ومثال الثاني: الزواج بغير الشهود، فرأي الإمام مالك أن إنشاء العقد صحيح؛ لأنه لم يشترط الشهادة في صحة مباشرة العقد، إلا أنه شرط لإمضاء العقد بالدخول الإعلان والإشهار، فخالف بذلك جمهور الفقهاء الذين ذهبوا إلى القول بعدم صحة إنشاء العقد من غير الشهود، واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» [9].

 ولكن هذا الخلاف قد ورث شبهة؛ لأن القول بالنكاح من غير شهود لا يثبت معه الحل، كما أن الزواج بالشهود من غير الإعلان لا يثبت معه صحة العقد للخلاف المذكور بين الفقهاء.

ومثال الثالث: أن التأخر في تأدية الشهادة لإدانة المتهم بجريمة السرقة، أو الزنا أو نحوهما من الجرائم يعد شبهة مسقطة للحد عند الحنفية.

2. شبهة الدليل: إن الاختلاف في المسائل الفقهية بين الفقهاء مبني في مجمله على مدى قوة الدليل واعتمادهم له؛ إذ إن رؤيتهم للنصوص الشرعية كدليل على آرائهم في القضايا والمسائل الفقهية تختلف بحسب أصول كل مذهب واتجاهه في قبول هذا الدليل، أورده لأي سبب من الأسباب، وإن اختلافهم في إثبات ركن من أركان الموضوعات الفقهية - وخصوصا منها أركان الجريمة - يتنازعه دليلان، أو دليل احتمل معنيين، ويمثل هذا النزاع شبهة في الدليل الذي استدل به كل فريق من الفقهاء. ولقد تواضع الفقهاء لهذه الشبهة على قاعدة فقهية: إن كل فعل يختلف فيه الفقهاء حلا وتحريما يكون شبهة تمنع إقامة الحد.

وقد ذكر ابن قدامة في المغني قوله: "ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه كنكاح المتعة والشغار والتحليل، والنكاح بلا ولي ولا شهود ونكاح الأخت في عدة الرابعة البائن، ونكاح المجوسية، وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، ولقد قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهة.

ومن هنا كان لثبوت الشبهة أثر في عدم تحقق الركن، وهو كون الفعل الذي قام به محرما شرعا من غير شبهة تمنع الحد.

3. شبهة الملك: وهي من الشبهات التي تكون في أغلب الجرائم مسقطة للعقوبة؛ لأنها شبهة تقوت بدليل يبيح حق الملكية للمتهم بالجريمة؛ فلو سرق الأب مال ابنه أو جزءا منه، وثبتت عليه التهمة بثبوت الأركان جميعها يسقط عنه حد القطع؛ لأن الشريعة جعلته مالكا حقيقيا لمال ولده، وأعطته الحق في تملكه متى شاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك»[10].

فإن اعتبار الأب مالكا لمال أولاده يعد شبهة في الملك تدرأ عنه الحد إذا امتدت يده خفية لأخذ ما يريد من ممتلكاتهم، وكذا من أخذ المال خفية معتقدا أنه يأخذ مال غيره فاكتشف أنه سرق ماله، فلا حد ينزل به لعدم توفر ركن من أركان جريمة السرقة، وهو كون المال لغيره، ولكنه يحاسب تعزيرا حسب رأي من يرى توفر القصد الإجرامي. وإن جملة الأمثلة التي تقدم منها ما هو مجمع عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، كلها تدور حول شبهة أساسها ثبوت الملكية، أو الاشتباه في ثبوتها.

4. شبهة الحق: وهي شبهة تثبت الحق لشخص في شيء من الأشياء المباحة له شرعا المحرمة صورة. أي أن الشارع قد حرم هذا الفعل ومنعه، ورتب عليه عقوبة استثنى منه بعض القضايا التي فيها شبهة حق للفاعلين، كمن سرق زوجته، أو كمن سرقت زوجها، وكذا من سرق من بيت المال، أو من ذي الرحم المحرم غير الآباء، فقد عد الفقهاء الأخذ خفية في هذه الصورة شبهة حق لمن قام بالجريمة، وأسقطوا عنه بموجبها حد القطع، وكذا قتل الوالد لولده.

5. واختص أبو حنيفة بزيادة شبهة العقد وأثبتها به، ولو كان هذا العقد متفقا على تحريمه شرعا، وكان الجاني عالما بهذا التحريم، كمن تزوج امرأة لا تحل له وهو عالم بذلك، فإنه عدها شبهة تعلقت بركن الجريمة، وعد صدور العقد من أهله مثبتا للشبهة التي تسقط الحد عن الفاعل، ولقد ذكر الكاساني رأي أبي حنيفة فقال: "والأصل عند أبي حنيفة - رحمه الله - أن النكاح إذا وجد من الأهل مضافا إلى محل قابل لمقاصد النكاح يمنع وجوب الحد سواء كان حلالا أو كان حراما، وسواء كان التحريم مختلفا فيه، أو مجمعا عليه، وسواء ظن الحل فادعى الاشتباه، أو علم بالحرمة".

6. وزاد بعض الفقهاء شبهة الجهل بالحكم الشرعي في مختلف القضايا الفقهية إلا أن الجهل ببعض المسائل في الشريعة يعذر فيه المتهم؛ لأن طريق تحصيل معرفتها والإحاطة بمعانيها وأحكامها يكون غالبا صعبا، وذلك راجع إلى اختصاص الفقهاء بهذه المسائل، وغياب التطبيق للأحكام والمعاملات يفضي إلى الجهل إلا بما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لذلك عد الفقهاء الجهل في مثل هذه الحالات عذرا مسوغا لإسقاط الحد والاستعاضة عنه بعقوبة تعزيرية؛ لأن المتهم قام بفعل محرم دون الاستفسار عنه، ومعرفة حكمه من العلماء المختصين بالفقه كمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أختا له من الرضاعة، ولم ينتبه إلى ذلك أحد ممن يعلم حقيقة الأمر، فيكون عدم علمه بالأمر عذرا مسوغا لإسقاط الحد من غير عقوبة تعزيرية، كذلك الأمر بالنسبة لمن شرب الخمر وادعى أنه لا يعلم حرمتها، وهو حديث عهد بالإسلام يقيم في عمران غير المسلمين، فإن جهله يعد عذرا مبررا لفعله أمام القاضي، فيسقط به عقوبة الحد ويستعيض عنها بعقوبة تعزيرية.

وإن الجهل بالأحكام الشرعية لا يكون دائما مسوغا لإسقاط العقوبات إلا في الأمور التي يقررها القضاء، ويعدها سببا كافيا وعذرا شرعيا في التغاضي عنه والعفو، وقد جاء في كشاف القناع للبهوتي ما نصه: "وإن جهل تحريم الزنا لحداثة عهده بالإسلام أو نشأته ببادية بعيدة عن دار الإسلام، أو جهل تحريم نكاح باطل إجماعا كخامسة فلا حد للعذر، ويقبل منه ذلك لأنه يجوز أن يكون صادقا، ولا يسقط الحد بجهل العقوبة إذا علم التحريم.

وإن للجهل بالحكم الشرعي حالات، نذكر منها:

·   الجهل بأصل التحريم ليس عذرا: إن الجهل في هذا الموضع يكون محصورا في الأحكام الفقهية المجمع عليها إجماعا تاما من غير مخالف لها، فإذا خالف أحد الفقهاء لم ينعقد الإجماع على ذلك الحكم، وبالتالي يكون الخلاف شبهة كافية لإسقاط الحد. وإن الأحكام المجمع عليها لا يعذر فيها متهم ولا يعد جهله بأصل التحريم المجمع عليه مبررا لفعله، وتلحقه العقوبة؛ لأنه يعد في نظر الشريعة جانبا مستحقا للعقاب المقدر.

·   الجهل بالأحكام التعزيرية: إن الأحكام التعزيرية غير العقوبات المقدرة شرعا كالحدود والقصاص، تركها الشارع لأصحاب الرأي المختصين لتقدير العقوبات التعزيرية الرادعة للجاني والمؤدبة له؛ حيث يعد الجهل بها عذرا مسوغا لتخفيف العقوبة كالغش في البيع، والرشوة ونحوها من الأمور التي نهى عنها الشارع، ولم يحدد لها عقوبة.

ثالثا. ليست كل شبهة مسقطة للحد، بل هناك ضوابط تحكم هذه القاعدة:

تختلف الشبهات في المرتبة من حيث القوة والضعف بحسب ما تتعلق به، ولا يوجد ضابط يضبط قوة الشبهة أو ضعفها إلا بالنظر إلى نوع الجريمة وأركانها الخاصة بها، فإذا كانت هذه الشبهة متعلقة بالركن الأصلي للجريمة، فهي من أقوى الشبهات المسقطة للحد والتعزير معا، وتكون إما: شبهة دليل، أو شبهة ملك، أو شبهة حق، أو شبهة عقد، فإن سرقة الوالد لمال ولده يعد شبهة قوية في الملك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك»[11].

ولا يوجب العقوبة، ولا التعزير؛ فيمحو بذلك وصف جريمة السرقة عنه.

أما إذا تعلقت الشبهة بجهل المتهم بالأحكام التي تحرم الأفعال التي أتى واحدة منها، أو بعضها، فإنها تختلف باختلاف مظنة الجهل يقدرها القاضي بحسب الظروف والحادثة، ولا نستطيع أن نعدها ضعيفة إذا كانت مظنة الجهل قوية، ولا يمكن أن تكون الشبهة قوية ومظنة الجهل ضعيفة.

وكذلك شبهة الإثبات؛ فإنها تحتاج إلى ضوابط كي تكون معتبرة لدى القضاء، فإذا تأخر تنفيذ الحكم، أو تأخر الشهود عن أداء الشهادة لغير عذر شرعي، يكون هذا التأخير مسقطا للحد عند الحنفية باعتباره شبهة قوية عندهم. ولا بد أن يؤخذ ذلك بعين الاعتبار في تخفيف العقوبة من عقوبة حد إلى عقوبة تعزير.

وفي كل الأحوال، يعد القاضي المسئول الوحيد في تقدير الشبهة من حيث القوة والضعف معتمدا على اجتهاده ومعرفته لنوع الجريمة الواقعة، وحالة المجرم وظروفه؛ لأن ذلك كله يعطيه القدرة على اختيار الحكم المناسب، فإما أن يقضي بالحد، أو يسقطه عن الجاني ويأمر بعقوبة تعزيرية، أو يسقط الحد والتعزير معا"[12].

الخلاصة:

·   إن قاعدة "درء الحدود بالشبهات" من المباديء الأساسية في الإثبات الجنائي في الشريعة الإسلامية ويقصد بها تفسير الدليل عند الشبهة أو الشك فيه لصالح المتهم؛ لأنه يكفي بهذه الحالة لتأكيد قرينة البراءة التي يتمتع بها.

·   ولقد وضعت هذه القاعدة استنادا إلى التطبيق النبوي لحماية الفرد من الضرر وافتراض براءته أولا، وتفسير الاحتمال لصالحه، والتضييق من نطاق العقوبة ثانيا، وجعل القاضي المسلم على بينة من حق الفرد في الأمن ثالثا، وبالتالي افتراض براءته من الفعل المنسوب إليه، بحيث لا يقضي بالإدانة إلا بعد ثبوت دليل الإدانة لديه ثبوتا يقينيا قطعيا.

·       وليس كل شبهة دارئة للحد؛ إنما على القاضي أن يستنفد جميع الطرق الممكنة للتوصل إلى إثبات الإدانة أو نفيها.

 



(*) المقاصد الشرعية للعقوبات في الإسلام، د. حسني الجندي ، دار النهضة، القاهرة، ط1، 1425هـ/ 2005م.

[1]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت (6438)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا (4520) بنحوه.

[2]. حسن: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك (4422)، والنسائي في المجتبى، كتاب الرجم، باب إذا اعترف بالزنا ثم رجع عنه (7207)، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (4420).

[3]. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الحدود، باب في درء الحدود بالشبهات (28493).

[4]. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الحدود، باب في درء الحدود بالشبهات (28494)، والدارقطني في سننه، كتاب الحدود والديات وغيره (10).

[5]. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الحدود، باب في درء الحدود بالشبهات (28497).

[6]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (6902)، وابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب مال الرجل من مال ولده (2291)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (2291).

[7]. صحيح: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب إذا أقر الرجل بالزنا ولم تقر المرأة (4468)، وفي موضع آخر، والطبراني في المعجم الكبير، باب السين، سهل بن سعد الساعدي ذكر سن سهل بن سعد ووفاته (5924)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (4437).

[8]. المقاصد الشرعية للعقوبات في الإسلام، د. حسني الجندي ، دار النهضة، القاهرة، ط1، 1425هـ/ 2005م، ص729 وما بعدها.

[9]. صحيح: أخرجه عبد الرزاق في المنصف، كتاب النكاح، باب النكاح بغير ولي (10473)، والطبراني في المعجم الكبير، باب العين، عمران بن حصين يكنى أبا نجيد ومن أخباره وذكر نسبته (299)، وصححه الألباني في الإرواء (1860).

[10]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (6902)، وابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب مال الرجل من مال ولده (2291)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (2291).

[11]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (6902)، وابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب مال الرجل من مال ولده (2291)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (2291).

[12]. الفقه الجنائي الإسلامي: القسم العام، د. فتحي بن الطبيب الخماسي، دار قتيبه، دمشق، ط1، 1425 هـ /2004م، ص65 وما بعدها.

click read dating site for married people
click why wives cheat on husbands dating site for married people
click website dating site for married people
click here unfaithful spouse women cheat husband
open read here black women white men
husband cheat why do men cheat on their wife online affair
dating a married woman cheat on my wife i cheated on my husband
read cheat husband click here
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  3115
إجمالي عدد الزوار
  7540717

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع