مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

الادعاء أن الإسلام انحاز إلى جانب الرجل في مسألة الدية (*) [1]

مضمون الشبهة:

 يدعي بعض المشككين أن التشريع الإسلامي قد انحاز إلى جانب الرجل ضد المرأة في مسألة الدية؛ لأنه جعل دية المرأة على النصف من دية الرجل.

وجها إبطال الشبهة:

اختلف الفقهاء في مسألة دية المرأة على النحو الآتي:

1) إن دية المرأة - عند بعض الفقهاء - مثل دية الرجل، وليست نصفها؛ وعلى هذا الرأي لا يكون هناك شبهة من الأساس.

2) إن القائلين بأن دية المرأة نصف دية الرجل يعللون ذلك بأن الدية ليست تقديرا لقيمة الإنسانية في القتيل، وإنما هي تقدير لقيمة الخسارة المادية التي لحقت أسرته بفقده، والدليل على ذلك: أنها تتساوى مع الرجل في القصاص حين يكون القتل عمدا؛ لأن القصاص تقدير لقيمة الإنسانية في القتيل.

التفصيل:

أولا. من الفقهاء من قال: إن دية المرأة مثل دية الرجل، وعلى هذا الرأي فلا شبهة أصلا:

وهذا هو الرأي الذي يرجحه د. القرضاوي، حيث أشار إلى أن الحكم بأن دية المرأة نصف دية الرجل لا يسنده نص صحيح الثبوت، وأن هذا الأمر من الأمور التي تقبل الاجتهاد، والتجديد؛ لتغير ظروف العصر من زمان، ومكان، وإنسان.

 يقول د. القرضاوي: وقد غصت في كتب التفسير، والحديث، وفي كتب السنن والآثار، وفي كتب الفقه والأصول، مناقشا الموضوع من جذوره، وراجعا إلى الأدلة التي تستنبط منها الأحكام، والتي يعتمد عليها أهل الفقه والاجتهاد والفتوى: القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، والمصلحة، وأقوال الصحابة.

وبعد مناقشة الأمر بحياد وموضوعية، تبين أن هذا الحكم الذي اشتهر لدى المذاهب المتبوعة - أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، والذي استمر قرونا معمولا به - لا يسنده نص صحيح الثبوت، صريح الدلالة، من كتاب، ولا سنة، كما لا يسنده إجماع، ولا قياس، ولا مصلحة معتبرة، ولا قول صحابي ثابت.

وقد تساءلت: لماذا سكت المجتهدون، والمجددون طوال العصور عن هذه القضية، ولم تظهر فيها آراء تجديدية، كما ظهر في قضية الطلاق عند الإمام ابن تيمية ومدرسته؟

تبينت أن قتل المرأة خطأ، أوشبه عمد في الأزمنة الماضية كان من الندرة بمكان، وليس كعصرنا الذي يكثر فيه القتل الخطأ في حوادث السير، وتصاب فيها المرأة كما يصاب الرجل، فلم تثر مشكلة حول الموضوع، حتى تستدعي اجتهادا جديدا من العلماء.

ويستدل د. القرضاوي على رأيه بقوله: وموضوع الديات من الموضوعات التي أقرها الإسلام من عمل الجاهلية، إلا أنه ضبطه بمجموعة من الأحكام تحدد نطاقه، وتحفظ حدوده.

وقد عني القرآن الكريم بهذا الأمر، وجاءت فيه آية محكمة من كتاب الله: )وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما (92)( (النساء). كما جاءت عدة أحاديث عن الدية ومقدارها، وعلى من تجب، ولمن تجب؟ إلى آخره.

ولا بد لمن يريد تجديد الاجتهاد في هذه القضية - دية المرأة - أن ينظر فيها من خلال أدلة الأحكام، أو مصادر التشريع كلها: القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، والمصادر التبعية كلها: المصالح المرسلة، والاستحسان، وغيرهما.

1.  القرآن الكريم:

ومن نظر في القرآن وجد فيه الآية الكريمة التي ذكرناها من سورة النساء، وهي آية بينة، محكمة، واضحة الدلالة، والمتأمل فيها: يرى أنها لم تميز في الحكم بين رجل وامرأة في وجوب الدية، والكفارة. والدية هي: حق أولياء الدم، والكفارة هي: حق الله.

إنما فرقت بين المؤمن الذي يعيش في دار الإسلام ومجتمع المسلمين، والمؤمن الذي يعيش في دار الأعداء المحاربين، وفي رحاب مجتمعهم، إذا قتله المسلمون أو أحدهم خطأ، فهنا تجب الكفارة على القاتل المخطئ، ولا تجب الدية؛ لأنها إذا دفعت لأهله وهم محاربون للمسلمين تقووا بها على حرب المسلمين.

فلا فرق في نظر القرآن في العقوبة الدنيوية بين الرجل والمرأة في الدية، كما لافرق بينهما في القصاص، فإن الذي يقتل المرأة يقتل بها قصاصا، سواء كان قاتلها رجلا أو امرأة، حتى لو أن قاتلها كان زوجها - يقتل بها - وقد فعل ذلك سيدنا عمر رضي الله عنه؛ فقتل رجلا اعتدى على امرأته فقتلها.

2.  السنة النبوية:

ولكن الخلاف في تمييز دية الرجل عن دية المرأة جاء من ناحية النظر في السنة النبوية، وما ورد في ذلك من أحاديث استنبط منها جمهور العلماء ذلك الحكم؛ ومن ثم وجب على الفقيه المعاصر - الذي يريد تجديد الاجتهاد في هذا الحكم الذي انتشر واشتهر العمل به قرونا طويلة - أن ينظر نظرة مستوعبة مستقلة في هذه الأحاديث: هل هي صحيحة الثبوت، لا يطعن في سندها؟! وهل هي صريحة الدلالة لا احتمال في دلالتها على الحكم؟!

وإذا نظرنا في الصحيحين - صحيحي البخاري ومسلم - لم نجد في أي منهما أي حديث عن التمييز بين دية المرأة ودية الرجل؛ لا حديثا مرفوعا ولا موقوفا ولا مسندا ولا معلقا من أحاديث البخاري، ولا من أحاديث الدرجة الأولى في أحاديث الأصول، ولا من أحاديث الدرجة الثانية أحاديث التوابع بل إذا نظرنا في كتب السنن الأربعة: سنن أبي داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، لم نجد فيها حديثا يميز في الدية بين المرأة، والرجل.

وانتهى عصر أئمة السنن الأربع، وآخرهم النسائي، ثم انتهى القرن الرابع الهجري، وظهر جماعة من الأئمة المحدثين الكبار المكثرين، أمثال: أبي يعلى في مسنده، وأبي بكر بن خزيمة في صحيحه، وأبي جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار، وأبي الحسن الدارقطني في سننه، وأبي عبدالله الحاكم في مستدركه، ولم يرو واحد من هؤلاء أية أحاديث في تنصيف دية المرأة.

ثم جاء الحافظ الكبير الإمام البيهقي ليذكر لنا في سننه الكبرى حديثا عن معاذ بن جبل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «دية المرأة على النصف من دية الرجل»[2].

وهذا الحديث ضعيف ولا يعمل به، والمعمول به في السنة النبوية وسيرة السلف الصالح أنه لا فرق بين الرجل والمرأة في الدية على اعتبار أن لكل منهما نفسا، ولا عبرة باعتبار الذكورة والأنوثة في ذلك.

3.  الإجماع:

وإذا لم نجد في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية نصا ثابتا يدل على هذا الحكم - أن دية المرأة على النصف من دية الرجل - فهل يمكن الاعتماد على المصدر الثالث في ذلك، وهو الإجماع؟

ولا نريد أن نناقش هنا قضية الإجماع، وما فيها من كلام كثير عند الأصوليين في إمكانه، وفي وقوعه بالفعل، وفي العلم به إذا وقع، وفي حجيته بعد التأكد من وقوعه. وقد ذكر ذلك الغزالي في المستصفى، والآمدي في الإحكام.

وقد قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب؛ ما يدريه، لعل الناس اختلفوا وهو لا يعلم، فإن كان ولا بد فليقل: لا أعلم، الناس اختلفوا.

ومن تأمل ما كتبه الإمام الشوكاني عن الإجماع في إرشاد الفحول وجد أنه يميل مع المخالفين في إثباته أكثر من ميله مع الموافقين، انظر ما قاله في إمكان العلم به إذا وقع، قال: العلم باتفاق الأمة لا يحصل إلا بعد معرفة كل واحد منهم، وذلك متعذر قطعا، ومن ذاك الذي يعرف جميع المجتهدين من الأمة في الشرق والغرب، وسائر البلاد الإسلامية؟ فإن العمر يفنى دون مجرد البلوغ إلى كل مكان من الأمكنة التي يسكنها أهل العلم، فضلا عن اختبار أحوالهم، ومعرفة من هو من أهل الإجماع منهم، ومن لم يكن من أهله، ومعرفة كونه قال بذلك أو لم يقل به!، والبحث عمن هو خامل من أهل الاجتهاد، بحيث لا يخفى على الناقل فرد من أفرادهم؛ فإن ذلك قد يخفى على الباحث في المدينة الواحدة، فضلا عن الإقليم الواحد، فضلا عن جميع الأقاليم التي فيها أهل الإسلام. ومن أنصف من نفسه علم أنه لا علم عند علماء الشرق بجملة علماء الغرب - والعكس - فضلا عن العلم بكل واحد منهم على التفصيل، وبكيفية مذهبه، وبما يقوله في تلك المسألة بعينها.

وأيضا قد يحمل بعض من يعتبر في الإجماع على الموافقة، بسبب عدم ظهوره بالخلاف؛ تقية وخوفا على نفسه، كما أن ذلك معلوم في كل طائفة من طوائف أهل الإسلام، فإنهم قد يعتقدون شيئا إذا خالفهم فيه مخالف خشي على نفسه من مضرتهم.

وهذا الذي أسلفنا هو ما استند إليه العلامة ابن قدامة الحنبلي في كتابه "المغني"؛ فقال: قال ابن عبد البر وابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل. قال: وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أنهما قالا: ديتها كدية الرجل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «في النفس مائة من الإبل»[3].

قال ابن قدامة: وهذا قول شاذ، يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي، فإن في كتاب عمرو بن حزم: دية المرأة على النصف من دية الرجل. وهو أخص مما ذكروه، وهما في كتاب واحد، فيكون ما ذكرنا: مفسرا لما ذكروه، مخصصا له.

ولا يمكن أن يثبت الإجماع، وقد خالف فيه هذان الإمامان (ابن علية والأصم)، وإنما خالفا الجمهور في ذلك؛ لأنه لم يثبت لديهما دليل على التمييز بين الذكر والأنثى.

وقول ابن قدامة: "هذا قول شاذ" مردود؛ إذ لا وجه لوصفه بالشذوذ، فكثيرا ما ينفرد الإمام الواحد عن جمهور الأمة بالقول المخالف، ولا يوصف بالشذوذ، وهذا مروي كثيرا عن فقهاء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ومن المعروف: أن الإمام أحمد له (مفردات) في سائر أبواب الفقه قد انفرد بها عن الأئمة الآخرين، ونظمها بعض الحنابلة في كتاب معروف.

ودعوى مخالفة إجماع الصحابة غير مسلمة؛ فلم يثبت أنهم أجمعوا، بل لم يثبت عن واحد منهم تنصيف الدية للمرأة بسند صحيح صريح. وكذلك دعوى مخالفة سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في التفريق بين الرجل والمرأة فقد بينا من قبل كلام أئمة الحديث المعتبرين أنه لم تصح سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التفريق بين الرجل والمرأة.

ويستخلص مما تقدم: أن المرأة تساوي الرجل في الدية، لا فرق بينهما في ذلك. وهذا هو الرأي الذي أخذ به مشروع قانون الجناية على النفس الذي وضعته اللجنة العليا لتطوير القوانين وفق أحكام الشريعة الإسلامية في مصر، حيث نصت المادة الأولى منه على أن "كل بالغ قتل نفسا عمدا يعاقب بالإعدام قصاصا إذا كان المقتول معصوم الدم، وليس غرما للقاتل. ونفس الذكر والأنثى، والمسلم وغير المسلم سواء"[4].

ويسري ذلك أيضا على دية الأطراف بين الرجل والمرأة، وهو ما أخذ به مشروع القانون المصري في شأن جرائم الاعتداء على ما دون النفس، حيث اشترط في المادة (11)، المبينة لشروط العقاب بالقصاص في هذه الجرائم:...أن يكون المجني عليه مكافئا للجاني - على الأقل - وفي تطبيق هذا الشرط تعتبر الأنثى مكافئة للذكر، ويعتبر كل من الذمي والمستأمن مكافئا للمسلم.

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن الدية في مقابلة الدم فقط، والناس في نظر الشريعة من هذه الناحية سواء، كما أن آيات الكتاب الحكيم في شأن الدية وردت بصيغة عامة ومطلقة، "ولم تميز الرجل بشيء منها عن المرأة، ويؤيد ذلك قول الله سبحانه وتعالى: )ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله( (النساء:٩٢)، ولا فرق في وجوب الدية بالقتل الخطأ بين الذكر والأنثى، ومن ثم وجب أن يكون الحكم فيها ثابتا بالسوية.

وهذا هو الرأي الراجح، كما أنه المتفق مع مبادئ وتعاليم الإسلام والحكمة من تشريع القصاص والدية، ومن بين هذه المبادئ: المساواة بين جميع الناس، لا فرق في ذلك بين ذكر وأنثى، ولا بين حر وعبد.

ومما يدل على ذلك: تسويته - عز وجل - بين النفس والنفس، سواء بين ذكر وذكر، أم أنثى وأنثى، أو بين ذكر وأنثى، وأنثى وذكر.

كما أن السنة النبوية الشريفة طبقت تلك القاعدة؛ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "المسلمون تتكافأ دماؤهم"[5]. وهذه العبارة الواردة في الحديث جاءت عامة تسري على الذكر والأنثى، فلا فرق في الحالتين بين نفس الذكر ونفس الأنثى، ولا بينهما في الدية.

وأهل الجاهلية كانوا لا يساوون الرجل بالمرأة، فأنزل الله سبحانه وتعالى: )النفس بالنفس( (المائدة: ٤٥)، فجعل الأحرار سواء فيما بينهم من العمد، رجالهم ونساءهم في النفس، وفيما دون النفس[6].

ثانيا. إن جمهور الفقهاء الذين قالوا بأن دية المرأة على النصف من دية الرجل لم يقصدوا الإقلال من قيمتها أو الزراية بها على أي نحو:

وإنما هو تقدير ما أصاب الأسرة من نقص وخسارة بسبب فقد واحد منهما بطريقة لا توجب القصاص وإنما توجب تعويضا ماليا لهم عن فقده. ويستدلون بحديث: «دية المرأة على النصف من دية الرجل»[7]. وهو حديث قد ضعفه أصحاب الرأي الأول كما سبق، كما استدلوا بالإجماع الذي ذكره أصحاب الرأي الأول أيضا كما سبق بيانه.

وإذا كان هذا هو رأي جمهور الفقهاء، فهل يكون الإسلام بذلك قد ظلم المرأة أو حط من قدرها؟! الحقيقة أنه على هذا الرأي لا يكون قد ظلم المرأة، أو حط من قدرها إذا نظرنا إلى المنظومة العامة لجميع الأحكام التي تخص المرأة في الإسلام؛ يقول الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم: إن دية المرأة التي قتلت خطأ أو التي لم يستوجب قتلها عقوبة القصاص؛ لعدم استيفاء شروطه، بما يعادل نصف دية الرجل، والقتل العمد يوجب القصاص من القاتل سواء كان المقتول رجلا أو امرأة، وسواء كان القاتل رجلا أو امرأة، وهذا لأننا في القصاص نريد أن نقتص من إنسان لإنسان، والرجل والمرأة متساويان في الإنسانية، قال سبحانه وتعالى: )وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس( (المائدة: ٤٥).

أما في القتل الخطأ وما أشبهه، فليس هناك إلا التعويض المالي الذي يجب أن تراعى فيه الخسارة المالية الناجمة عن القتل: قلة، وكثرة، فهل خسارة الأسرة بالرجل كخسارتها بالمرأة؟! إن الأولاد الذين قتل أبوهم خطأ، والزوجة التي قتل زوجها خطأ، قد فقدوا عائلهم الذي كان يقوم بالإنفاق عليهم، والسعي في سبيل إعاشتهم. أما الأولاد الذين قتلت أمهم خطأ، والزوج الذي قتلت زوجته خطأ، فهم لم يفقدوا إلا ناحية معنوية لا يمكن أن يكون المال تعويضا عنها.

إن الدية ليست تقديرا لقيمة الإنسانية في القتيل، وإنما هي تقدير لقيمة الخسارة المادية التي لحقت أسرته بفقده، وهذا هو الأساس القويم الذي لا يماري فيه أحد. إن هذا التشريع الحكيم مرتبط بنظام الإسلام في عدم تكليف المرأة بالكسب للإنفاق على نفسها وعلى أولادها؛ رعاية لمصلحة الأسرة والمجتمع[8].

ويوضح د. بلتاجي هذه المسألة بعد أن ينقل عن الجمهور: أن المرأة تقتل بالرجل في القتل العمد بقوله: أما في القتل الخطأ وما يأخذ حكمه شرعا مما تجب فيه الدية، فهناك اتفاق على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، وليس سبب هذا هو الإقلال من قيمتها، أو الإزراء بها على أي نحو؛ فقد انتبه العلماء في القديم، والحديث إلى أن الدية على وجه العموم ليست إلا تعويضا ماليا لورثة المقتول عما أصابهم من نقص بسبب فقد مورثهم، وهذا النقص يختلف مقداره عند فقد الرجل الذي تجب عليه النفقات عادة في الشريعة، عنه عند فقد المرأة التي لا تجب عليها نفقات للأسرة - مهما بلغ ما تملكه من مال -.

فليست المسألة هنا نقص قيمة نفس المرأة عن نفس الرجل، فقد رأينا أن الشريعة توجب القصاص - في النفس - بين الرجل والمرأة على قدم المساواة حينما يكون الأمر هو: تقدير قيمة النفس البشرية، فهنا يرد التساوي بينهما، ويجب شرعا، أما حينما يكون الأمر أمر تقدير ما أصاب الأسرة من نقص وخسارة بسبب فقد واحد منهما بطريقة لا توجب القصاص، وإنما توجب تعويضا ماليا لهم عن فقده، فلا بد من أن يدخل في تقدير ذلك مدى الالتزام الذي كان يلتزم به فقيدهم تجاههم - وهو ما يختلف فيه قطعا التزام كل من الرجل والمرأة بالنفقة تجاههم - ولا يحتج على هذا بفقد الأمور المعنوية؛ لأننا هنا لا نتكلم عن قتل عمد، إنما نتكلم عن حادث قد وقع بطريق الخطأ أو ما نزل منزلته.. فحكمة الشريعة هنا في التفرقة بين القصاص والدية واضحة جلية لكل ذي عقل.

وقد طعن في هذه التفرقة بعض الملاحدة، وأعداء الإسلام، واعتبروا أنها دليل على تناقض الشريعة، وإهدار منزلة المرأة.

ولا تناقض في الحقيقة، ولا إهدار، بل هي الحكمة المنزهة؛ لأنها تقدير العزيز الحكيم العليم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ونستدل على ذلك بأدلة منها:

1. أن الشريعة الإسلامية لم تنفرد بهذه التفرقة، ذلك أن القوانين الوضعية - التي لم تلغ عقوبة الإعدام على القتل العمد بشروطه - تعاقب بها على "قتل النفس عمدا مع سبق الإصرار على ذلك أو الترصد". (مادة 230 في قانون العقوبات المصري مثلا)، لكنها في القتل الخطأ - أو غير المستوجب للإعدام بشروطه - تحيل دعاوى التعويض - المقابل للدية - إلى قاضي الموضوع؛ ليقدره بناء على حجم الخسارة والنقص، اللذين لحقا بالورثة بسبب فقد فقيدهم.. فما الذي فعلته الشريعة - في حقيقة الأمر - غير مراعاة ذلك؟

لكن الأمر حين يأتي عن طريق الفكر الوضعي فهو على أعين هؤلاء الطاعنين ورءوسهم، بخلاف ما لو أتى به الإسلام!

2. أن الإسلام لم يفرق في دية الجنين بين كونه أنثى أو ذكرا؛ حيث قضى فيه بغرة[9] عبد أو أمة؛ وعلة عدم هذه التفرقة أن الجنين ذكرا كان أم أنثى لم يكن قد دخل بعد في المسئولية عن نظام النفقات في الأسرة؛ لأنه لم يولد حيا - حتى يصبح بعد ذلك كاسبا - فحكمه على التساوي الأصلي بين الذكر والأنثى في النفس، وإن كان في الديات، فليتأمل[10]!!

الخلاصة:

مما سبق يتبين لنا أن الزعم القائل بأن الإسلام قد انحاز للرجل ضد المرأة في موضوع الدية زعم باطل؛ لأن الإسلام هو الذي كرم المرأة، ورفعها بالمساواة مع الرجل في كل الأمور التي لا بد من المساواة فيها. والدية من أهم المظاهر التي توضح تكريم الإسلام للمرأة، وحفظه لكيانها. وإن كان السلف والخلف قد اختلفوا في مقدار ديتها على رأيين هما:

·       أن دية المرأة: مثل دية الرجل وعلى هذا لا توجد شبهة من الأصل.

·   أن دية المرأة: على النصف من دية الرجل، وعلى هذا أيضا لا يكون هناك إجحاف بالمرأة؛ لأن الإسلام رفع عن المرأة مسئولية الكسب، والإنفاق، وأوجبها على الرجل؛ ولأن الدية: ليست تقديرا لقيمة الإنسانية في القتيل، وإنما هي تقدير لقيمة الخسارة المادية التي لحقت أسرته بفقده، وهذا هو الأساس القويم الذي لا يماري فيه أحد، والدليل على ذلك أن المرأة تتساوى مع الرجل في القصاص حين يكون القتل عمدا؛ لأن القصاص تقدير لقيمة الإنسانية في القتيل.

وبهذا يتضح أن لا ظلم للمرأة ولا تحيز للرجل في موضوع الدية؛ حتى لو كانت دية المرأة نصف دية الرجل.

 


(*) افتراءات على الإسلام والمسلمين، د. أمير عبد العزيز، دار السلام، مصر، طـ1، 1422هـ/ 2002م.

[1]. الدية: مال يعطى لأولياء المقتول تطييبا لخاطرهم وعوضا لهم عما وقع لهم بسبب فقد عائلهم، وتختلف باختلاف الشيء الذي تدفع الدية عوضا عنه، وقد تكون دية عن نفس أو دون النفس؛ وقد تكون دية عن عمد إذا عفي عن القصاص، أو دية عن خطأ.

[2]. ضعيف: أخرجه عبد الرزاق في المصنف، كتاب العقول، باب متى يعاقل الرجل المرأة (17752)، والبيهقي في سننه الكبرى، كتاب الديات، باب ما جاء في دية المرأة (16084) من طريق عبادة بن نسي، قال: وفيه ضعف، وضعفه الألباني في الإرواء (2250).

[3]. صحيح: أخرجه مالك في الموطأ، كتاب العقول، باب ذكر العقول، (3139)، والنسائي في المجتبى، كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له (4857)، وصححه الألباني في الإرواء (2248).

[4]. سار المشرع اليمني على هذا النهج في مشروعي الجرائم والعقوبات المستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية، فقد نصت المادة( 58) على أن " الرجل أو المرأة بالرجل أو المرأة، والجماعة بالواحد مهما تعدد الجناة". وهو أيضا ما قرره مشروع القانون الشرعي للجرائم، والعقوبات؛ حيث نص في المادة (59) على أن " يقتص من الرجل بالمرأة ومن الجماعة بالواحد مهما تعدد الجناة ".

[5]. صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الديات، باب إن المسلمين تتكافأ دماؤهم (27969)، وابن ماجه في سننه، كتاب الديات، باب المسلمون تتكافأ دماؤهم (2683)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (2683).

[6]. المقاصد الشرعية للعقوبات في الإسلام، د. حسني الجندي ، دار النهضة، القاهرة، ط1، 1425هـ/ 2005م، ص444، 445.

[7]. ضعيف: أخرجه عبد الرزاق في المصنف، كتاب العقول، باب متى يعاقل الرجل المرأة (17752)، والبيهقي في سننه الكبرى، كتاب الديات، باب ما جاء في دية المرأة (16084) من طريق عبادة بن نسي، قال: وفيه ضعف، وضعفه الألباني في الإرواء (2250).

[8]. المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية، محمد أحمد إسماعيل المقدم، دار ابن الجوزي، القاهرة، ط1، 1426هـ/ 2005م، ص149.

[9]. الغرة: دية الجنين إذا أسقط ميتا، وقدرها عبد أو أمة، أو نصف عشر الدية الكاملة للقتل الخطأ للذكر، وللأنثى عشر دية أمة.

[10]. مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، د. محمد بلتاجي، مكتبة الشباب، القاهرة، 1996م، ص546: 548. افتراءات على الإسلام والمسلمين، د. أمير عبد العزيز، دار السلام، مصر، طـ1، 1422هـ/ 2002م، ص62، 63.

click here My wife cheated on me women cheat husband
online why men have affairs read here
website wifes cheat redirect
husband cheat my husband almost cheated on me online affair
dating a married woman cheat on my wife i cheated on my husband
read all wife cheat click here
My girlfriend cheated on me my wife cheated on me with my father signs of unfaithful husband
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  2003
إجمالي عدد الزوار
  7093220

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع