مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

ادعاء أن انتصار المسلمين في غزوة بدر كان بسبب عدم رغبة المشركين في القتال(*)

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن انتصار المسلمين في غزوة بدر لم يكن راجعا لقوة المسلمين آنذاك، بل لعدم رغبة المشركين في القتال؛ خوفا على أقاربهم الذين أسلموا مع محمد - صلى الله عليه وسلم - من إراقة دمهم. ويهدفون من وراء ذلك إلى التهوين من شأن الانتصارات الإسلامية الرائعة في تاريخ المسلمين.

وجوه إبطال الشبهة:

1) خروج قريش في قوة تزيد على قوة المسلمين يدلك على استعدادها التام لقتال محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، واستئصال شأفتهم.

2)  لم يكن لدى المسلمين نية في القتال، ولو لم يكن الأمر كذلك لأعدوا له عدته.

3)  ابتدأ المشركون المسلمين بالقتال، ولو لم يفعلوا لما بدأهم المسلمون به.

4) إصرار المشركين على مواصلة السير والمبيت لقتال المسلمين بعد نجاة القافلة، دليل على الاستعداد التام لمواجهة المسلمين.

التفصيل:

أولا. خروج قريش في قوة تزيد على قوة المسلمين يدلك على استعدادها التام لمواجهة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه:

أتخرج قريش فيما يقرب من ألف من رجالها، معهم عدتهم وعتادهم وفيهم مائة فارس بدروعهم، ثم يقال: إنهم كانوا لا يرغبون في القتال، فهل يعقل أن قوما يخرجون في مثل هذه التعبئة، وهم لا يريدون قتالا أو لا يرغبون فيه؟!

لقد نجت قافلة أبي سفيان من هجوم من تعرض لها من المسلمين، وكان من الممكن ألا يخرج المشركون لمواجهة المسلمين، طالما أن قافلتهم لم تصب بأذى، ولكن أبا جهل أصر على مواجهة السير إلى بدر؛ لاستعراض قوة قريش أمام العرب جميعا، ومحاربة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، حتى لا يعودوا مرة أخرى إلى التعرض لأموالهم وتجارتهم.

ويستعرض كتاب السير مبلغ قوة المسلمين في مقابل قوات المشركين، يقول صاحب الرحيق المختوم: "استعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للخروج ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا (313، أو 314، أو 317 رجلا)، 82 أو 83 أو 86 من المهاجرين، و 61 من الأوس و170 من الخزرج، ولم يحتفلوا لهذا الخروج احتفالا بليغا، ولا اتخذوا أهبتهم كاملة؛ وذلك لأنهم لم يخرجوا لقتال إنما خرجوا لعير قريش القادمة من الشام ليستولوا عليها أخذا بحقهم من قريش، فلم يكن معهم إلا فرسان: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرا ليعتقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلي - رضي الله عنه - ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا واحدا.

واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر، واستعمله على المدينة، ودفع لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير القرشي العبدري، وكان هذا اللواء أبيض. وقسم جيشه إلي كتيبتين:

·       كتيبة المهاجرين، وأعطى علمها علي بن أبي طالب.

·       كتيبة الأنصار، وأعطى علمها سعد بن معاذ.

وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وعلى الميسرة المقداد بن عمرو - وكانا هما الفارسين الوحيدين في الجيش كما أسلفنا - وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وظلت القيادة العامة في يده - صلى الله عليه وسلم - بوصفه قائدا أعلى للجيش.

سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الجيش غير المتأهب، فخرج من نقب([1]) المدينة، ومضى على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مكة، حتى بلغ بئر الروحاء ولما ارتحل منها، ترك طريق مكة بيساره، وانحرف ذات اليمين على النازية (يريد بدرا)، فسلك في ناحية منها، حتى جزع واديا يقال له رحقان، بين النازية وبين مضيق الصفراء، ثم مر على المضيق، ثم انصب منه حتى قرب من الصفراء، وهنالك بعث بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء الجهني إلي بدر يتجسسان له أخبار العير.

وأما خبر العير فإن أبا سفيان - وهو المسئول عنها - كان على غاية من الحيطة والحذر؛ فقد كان يعلم أن طريق مكة محفوف بالأخطار، وكان يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، ولم يلبث أن نقلت إليه استخباراته أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير، وحيئنذ استأجر أبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة، مستصرخا لقريش بالنفير إلى عيرهم، ليمنعوه من محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وخرج ضمضم سريعا حتى أتى مكة، فصرخ ببطن الوادي واقفا علي بعيره، وقد جدع أنفه، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه، لا أري أن تدركوها، الغوث الغوث. فتحفز الناس سراعا، وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟ كلا، والله ليعلمن غير ذلك، فكانوا بين رجلين، إما خارج، وإما باعث مكانه رجلا، وأسرعوا في الخروج، فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوي أبي لهب، فإنه عوض عنه رجلا كان له عليه دين، وحشدوا من حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي، فلم يخرج منهم أحد.

وكان قوام هذا الجيش نحو ألف وثلاثمائة مقاتل في بداية سيره، وكان معه مائة فرس وستمائة درع، وجمال كثيرة لا يعرف عددها بالضبط، وكان قائده العام أبو جهل بن هشام، وكان القائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف قريش، فكانوا ينحرون يوما تسعا ويوما عشرا من الإبل([2]).

يقول الأستاذ محمد رضا في حديثه عن قوة جيش قريش في مقابل جيش المسلمين: كان الذين خرجوا من قريش نحو 1000، منهم 600 دارع، ومعهم 100فرس، عليها 100 درع سوى دروع المشاة.

وكان حامل لوائهم السائب بن يزيد الذي أسلم - رضي الله عنه - بعد ذلك، وهو الأب الخامس للإمام الشافعي، وكان معهم أيضا 700 بعير، وخرجوا ومعهم القيان - وهن الإماء المغنيات - يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين وهم في غاية البطر والخيلاء حين خروجهم؛ اعتمادا على كثرة عددهم وعدتهم، قال تعالى: )ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47)( (الأنفال).

بينما كان عدة الذين خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 313 - وهذا قول عامة السلف - وقيل لما عد - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فوجدهم ثلاثمائة وثلاثة عشر فرح وقال: عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وخرجت الأنصار ولم تكن قبل ذلك خرجت معه، ولما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخروج لبس درعه ذات الفضول وتقلد سيفه العضب، ورد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من استصغر، فكان ممن رده أسامة بن زيد ورافع بن خديج والبراء بن عازب وأسيد بن ظهير وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت، ورد عمير بن أبي وقاص فبكى فأجازه.

وتخلف ثمانية من أصحابه - صلى الله عليه وسلم - بسهامهم وأجورهم: ثلاثة من المهاجرين: عثمان بن عفان خلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة فأقام عليها حتى ماتت. وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بعثهما يتجسسان خبر العير وخرجا في طريق الشام. وكان أبو أمامة بن ثعلبة الأنصاري أجمع الخروج إلى بدر، وكانت أمه مريضة فأمره - صلى الله عليه وسلم - بالمقام على أمه.

وخمسة من الأنصار: أبو لبابة بن عبد المنذر الأوسي خلفه على المدينة وعاصم بن عدي العجلاني خلفه على أهل العالية. والحارث بن حاطب العمري رده من الروحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم. والحارث بن الصمة كسر بالروحاء. وخوات بن جبير كسر أيضا. وهؤلاء ثمانية لا اختلاف فيهم.

وكان أمام رسول - صلى الله عليه وسلم - رايتان سوداوان؛ إحداهما مع علي بن أبي طالب يقال لها "العقاب"، وكانت من ثوب عائشة، وكان عمر علي يومئذ عشرين سنة، والأخرى مع بعض الأنصار. وجعل على الساقة (المؤخرة) قيس بن أبي صعصعة الأنصاري، فكانت قوة المسلمين قليلة بالنسبة لقوة عدوهم، واستعمل - صلى الله عليه وسلم - أبا لبابة واليا على المدينة ورده، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس بالمدينة([3]).

فبالمقارنة بين القوتين نستطيع أن ندرك بما لا يدع مجالا للشك استعداد قريش التام لحرب المسلمين في هذه الغزوة، وإرادتها القضاء على دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.

ثانيا. لم يكن للمسلمين - في الأصل - رغبة في القتال، وإلا لأعدوا العدة لذلك:

لم يكن لدى المسلمين نية للقتال، بل ولم يعلموا بخروج قريش لقتالهم، حتى أخبرهم بذلك بعض عبيد قريش، ولكنهم بعد أن رأوا قريشا قد خرجت في هذه التعبئة لقتالهم، لم يكن أمامهم بد من المواجهة، وكانوا هم الذين لا يرغبون في القتال، ويرغبون في الفوز بالقافلة وما فيها من أموال، ولكن قدر الله لهم مواجهة أهل الشرك ليحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين.

وقد حكى القرآن ذلك في قول الله تعالى: )وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7)( (الأنفال).

 ولعلنا ندرك دقة موقف المسلمين حين نعلم أن عددهم كان ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا في مقابل ما يقرب من ألف من المشركين، فانعدم بذلك توازن القوى بين الجانبين، فأي الفريقين كان يرغب في القتال؟! الذي كان لا يملك إلا عددا محدودا من الرجال، وكان القتال بالنسبة له مفاجأة وهم المسلمون، أم الذي خرج في كامل عدته وعتاده وهيئته وهم المشركون؟!

ومما يدلنا على عدم رغبة المسلمين في القتال، أو في دخول حرب مع قريش على الأقل في هذه الأثناء - سبب الغزوة نفسه، يقول الدكتور علي الصلابي: بلغ المسلمين تحرك قافلة تجارية كبيرة من الشام تحمل أموالا عظيمة لقريش، يقودها أبو سفيان ويقوم على حراستها بين ثلاثين وأربعين رجلا، فأرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسبس بن عمرو، لجمع المعلومات عن القافلة، فلما عاد بسبس بالخبر اليقين، ندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه للخروج، وقال لهم:«هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها»([4])، وكان خروجه من المدينة في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة، ومن المؤكد أنه حين خروجه - صلى الله عليه وسلم - من المدينة لم يكن في نيته قتال وإنما كان قصده عير قريش، وكانت الحالة بين المسلمين وكفار مكة حالة حرب، وفي حالة الحرب تكون أموال العدو ودماؤهم مباحة، فكيف إذا علمنا أن جزءا من هذه الأموال الموجودة في القوافل القرشية كانت للمهاجرين المسلمين من أهل مكة قد استولى عليها المشركون ظلما وعدوانا([5]).

ومما يؤكد عدم رغبة المسلمين في القتال ما جاء على لسان سعد بن معاذ حينما اقترح على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبنوا له عريشا؛ خوفا عليه من أن يناله أذى قريش، وكان مما قاله سعد في اقتراحه: "يا نبي الله ألا نبنى لك عريشا تكون فيه، ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك، أقوام، يا نبي الله، ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم ويناصحونك ويجاهدون معك". فأثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه ودعا له بخير. ثم بنى المسلمون العريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ـعلى تل مشرف على ساحة القتال، وكان معه فيه أبو بكر رضي الله عنه، وكانت ثلة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون عريش رسول الله صلى الله عليه وسلم ([6]).

فقول سعد رضي الله عنه: "ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك..." يقطع بأن نية القتال لم تكن مبيتة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عند أصحابه الكرام رضي الله عنهم.

ثالثا. بدأ المشركون بالقتال، ولو لم يخرجوا لقتال المسلمين ما بدأوهم به:

الذين بدأوا بالقتال هم المشركون، وذلك حين شد عامر بن الحضرمي بفرسه على جيش المسلمين، وبدأ عتبة بن ربيعة بدعوة المسلمين للمبارزة، أيقال بعد ذلك: إن المشركين كانوا لا يرغبون في القتال؟!

يقول الدكتور الصلابي: "اندلع القتال بين المسلمين والمشركين بالمبارزات الفردية، فخرج من جيش المشركين عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد وطلبوا المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار، ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أرجعهم لأنه أحب أن يبارزهم بعض أهله من ذوي قرباه، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي، وبارز حمزة شيبة فقتله وبارز علي الوليد وقتله، وبارز عبيدة بن الحارث عتبة فضرب كل واحد منهما الآخر بضربة موجعة، فكر حمزة وعلي على عتبة فقتلوه، وحملا عبيدة وأتباعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن ما لبث أن استشهد متأثرا بجراحه، وفي هؤلاء الستة نزل قوله تعالى: )هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24)( (الحج)» ([7]).

ولما شاهد المشركون قتل الثلاثة الذين خرجوا للمبارزة، استشاطوا غضبا وهجموا على المسلمين هجوما عاما، صمد وثبت له المسلمون، وهم واقفون موقف الدفاع، ويرمونهم بالنبل كما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان شعار المسلمين: أحد أحد، ثم أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالهجوم المضاد محرضا لهم على القتال وقائلا لهم: "شدوا" وواعدا من يقتل صابرا محتسبا بأن له الجنة، ومما زاد في نشاط المسلمين واندفاعهم في القتال سماعهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: )سيهزم الجمع ويولون الدبر (45)( (القمر)، وعلمهم وإحساسهم بإمداد الملائكة وبتقليلهم في أعين المسلمين، وتقليل المسلمين بأعين المشركين([8]).

رابعا. الإصرار على مواصلة السير لقتال المسلمين دليل على الاستعداد القرشي التام والمبيت لمواجهة المسلمين، لا لمجرد إنقاذ العير والأموال:

 كانت هناك محاولات من شخصين اثنين فقط من المشركين حاولا أن يثبطا المشركين عن القتال، هما: حكيم بن حزام، وعتبة بن ربيعة، ولكن لم تكن محاولات التثبيط هذه لعدم الرغبة في القتال، ولكن خوفا من الهزيمة على أيدي المسلمين، وكان مما قاله عتبة في ذلك: إني أرى قوما مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم أعصبوها اليوم برأسي وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة، ولقد علمتم أني لست بأجبنكم، فاحتد عليه جمهور المشركين وعلى رأسهم أبو جهل قائلا له: لقد ملئت رئتك وجوفك رعبا! فقال له عتبة: ستعلم اليوم أينا أجبن! وهكذا فشلت محاولات عتبة بن ربيعة وحكيم بن حزام، بسبب عناد أبي جهل وأمثاله، فهل يصح بعد هذا أن يقال إن الهزيمة التي لحقت بالمشركين في بدر كانت بسبب عدم رغبتهم في القتال؟!

وقد استشهد من المسلمين في هذه المعركة أربعة عشر رجلا، بينما قتل من صناديد قريش سبعون أو يزيد، وأسر منهم سبعون أو يزيد.

·   وصف خروج جيش مكة:

خرج المشركون من ديارهم، كما قال الله: )بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله( (الأنفال: ٤٧ (، وأقبلوا بحدهم وحديدهم، يحادون الله ويحادون رسوله، )وغدوا على حرد قادرين (25)( (القلم)، وعلى حمية وغضب وحنق على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، لاجتراء هؤلاء على قوافلهم. تحركوا بسرعة فائقة نحو الشمال في اتجاه بدر، وسلكوا في طريقهم وادي عسفان، ثم قديد، ثم الجحفة، وهناك تلقوا رسالة جديدة من أبي سفيان يقول لهم فيها: إنكم إنما خرجتم لتحرزوا([9]) عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجاها الله فارجعوا.

·   العير تفلت:

وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسي، ولكنه لم يزل حذرا متيقظا، وضاعف حركاته الاستكشافية، ولما اقترب من بدر تقدم عيره، حتي لقي مجدي بن عمرو، وسأله عن جيش المدينة، فقال: ما رأيت أحدا أنكره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا، فبادر أبو سفيان إلى مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرهما، ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى عيره سريعا، وضرب وجهها محولا اتجاهها نحو الساحل غربا، تاركا الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر علي اليسار، وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة، وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها في الجحفة([10]).

·   الإصرار على المضي تجاه بدر لقتال محمد صلى الله عليه وسلم:

ولما تلقى هذه الرسالة جيش مكة هم بالرجوع، ولكن قام طاغية قريش أبو جهل في كبرياء وغطرسة قائلا: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم بها ثلاثا فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان([11])، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا.

ولكن على رغم أبي جهل أشار الأخنس بن شريق بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زهرة - وكان حليفا لهم ورئيسا عليهم في هذا النفير - فلم يشهد بدرا زهري واحد، وكانوا حوالي ثلاثمائة رجل، واغتبطت بنو زهرة بعد برأي الأخنس بن شريق، فلم يزل فيهم مطاعا معظما، وأرادت بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل، وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع، فسار جيش مكة وقوامه ألف مقاتل بعد رجوع بني زهرة - وهو يقصد بدرا - فواصل سيره حتى نزل قريبا من بدر، وراء كثيب([12]) يقع بالعدوة القصوى على حدود وادي بدر([13]).

·   الجيش المكي في عرصة([14]) القتال ورغم وقوع الانشقاق فيه إلا أنه عازم على قتال المسلمين:

أما قريش؛ فقضت ليلتها هذه في معسكرها بالعدوة القصوى، ولما أصبحت أقبلت في كتائبها، ونزلت من الكثيب إلى وادي بدر، وأقبل نفر منهم إلى حوض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: دعوهم، فما شرب أحد منهم يومئذ إلا قتل، سوى حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل، وأسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان إذا اجتهد في اليمين قال: لا والذي نجاني من يوم بدر، فلما اطمأنت قريش بعثت عمير بن وهب الجمحي، للتعرف على مدى قوة جيش المدينة.

فدار عمير بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم فقال: ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد؟ فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال: ما وجدت شيئا، ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح([15]) يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم، فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم.

وحينئذ قامت معارضة أخرى ضد أبي جهل - المصمم على المعركة - تدعو إلى العودة بالجيش إلى مكة دونما قتال، فقد مشى حكيم بن حزام في الناس، وأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش، وسيدها والمطاع فيها، فهل لك إلى خير تذكر به إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي - المقتول في سرية نخلة - فقال عتبة: قد فعلت، أنت ضامن على بذلك، إنما هو حليفي فعلي عقله([16]) وما أصيب من ماله. ثم قال عتبة لحكيم بن حزام: فأت ابن الحنظلية - أبا جهل، والحنظلية أمه - فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره.

ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم([17]) ولم تعرضوا منه ما تريدون.

وانطلق حكيم بن حزام إلى أبي جهل - وهو يهيئ درعا له - قال: يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني بكذا وكذا، فقال أبو جهل: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه - وهو أبو حذيفة بن عتبة كان قد أسلم قديما وهاجر - فتخوفكم عليه.

ولما بلغ عتبة قول أبي جهل: انتفخ والله سحره، قال عتبة: سيعلم - وأغلظ في هجائه - استه من انتفخ سحره، أنا أم هو؟ وتعجل أبو جهل مخافة أن تقوى هذه المعارضة فبعث على إثر هذه المحاورة إلى عامر بن الحضرمي - أخي عمرو بن الحضرمي المقتول في سرية عبد الله بن جحش - فقال: هذا حليفك (أي عتبة) يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك، ومقتل أخيك.

فقام عامر وصرخ: واعمراه، واعمراه فحمي القوم، وحقب أمرهم، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة، وهكذا تغلب الطيش على الحكمة، وذهبت هذه المعارضة دون جدوى([18]).

فهل يعقل بعد هذا كله أن يدعي مدع أن انتصار المسلمين على قريش في بدر كان بسبب عدم استعداد قريش للمعركة، وعدم رغبتها في القتال؟!

إن هذا زعم ثبت بطلانه بالأدلة التاريخية التي روتها كتب السير والتاريخ.

الخلاصة:

·   خرجت قريش في كامل عدتها وعتادها فيما يقرب من ألف من رجالها فيهم مائة فارس بدروعهم، أيمكن أن يقال عن مثل هذا الجيش المدجج: إنه لا يرغب في القتال؟! إن مثل هذه الاستعدادات تدل - بلا شك - على أنهم خرجوا يريدون استئصال شأفة المسلمين والقضاء عليهم.

·   في المقابل نجد أن المسلمين خرجوا في عدد محدود من الرجال، وكانوا لا يتوقعون الحرب، بل كان القتال لهم مفاجأة، إنهم خرجوا يريدون قافلة أبي سفيان، ولم يخطر ببالهم أن الأمر سينقلب إلى حرب عوان([19]) ينتصرون فيها على المشركين، ويحفظها لهم التاريخ.

·   الذين بدأوا بالقتال هم المشركون حين شد عامر بن الحضرمي بفرسه على جيش المسلمين، ودعا عتبة بن ربيعة المسلمين للمبارزة.

·   كانت هناك محاولة لتثبيط المشركين عن القتال خوفا عليهم، قام بها عتبة بن ربيعة وحكيم بن حزام، ولكنها باءت بالفشل أمام إصرار أبي جهل واستكباره وعناده، فكانت الحرب، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الإصرار القرشي المبيت لقتال المسلمين.

 

 



(*) محمد رسول الله، محمد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1395هـ/1975م.

[1]. النقب: الطريق الضيق.

[2]. الرحيق المختوم، المباركفوري، دار المؤيد، الرياض، 1418هـ/ 1998م، ص204: 206.

[3]. محمد رسول الله، محمد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1395هـ/1975م، ص162 بتصرف.

[4]. صحيح: أخرجه البيهقي في دلائل النبوة، باب ذكر سبب خروج النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أبو سفيان قافلا بتجارة قريش (874)، وصححه الألباني في فقه السيرة (1/ 218).

[5]. السيرة النبوية، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1403هـ/1983م، ج2، ص5.

[6]. السيرة النبوية، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1403هـ/1983م، ص22.

[7]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند العشرة المبشرين بالجنة، مسند علي بن أبي طالب رضي الله عنه (948) بنحوه، وأبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب في المبارزة (2667)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2321).

[8]. السيرة النبوية، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1403هـ/1983م، ج2، ص33، 34.

[9]. تحرزوا: تحفظوا.

[10]. الجحفة: موضع بين مكة والمدينة.

[11]. القيان: جمع القينة، وهي الأمة مغنية كانت أو غير مغنية.

[12]. الكثيب: الرمل المستطيل.

[13]. الرحيق المختوم، المباركفوري، دار المؤيد، الرياض، 1418هـ/ 1998م، ص207، 208.

[14]. العرصة: الموضع الواسع الذي لا بناء فيه.

[15]. النواضح: جمع الناضح، وهي الدابة.

[16]. العقل: الدية.

[17]. ألفاكم: وجدكم.

[18]. الرحيق المختوم، المباركفوري، دار المؤيد، الرياض، 1418هـ/ 1998م، ص213: 215.

[19]. الحرب العوان: هي الحرب التي قوتل فيها مرة بعد أخرى، والمقصود: الحرب الشديدة.

why do men have affairs why do husband cheat why men cheat on beautiful women
wives that cheat link read here
click here online women cheat husband
click here online women cheat husband
open my husband cheated black women white men
signs of a cheater why married men cheat on their wives website
reasons wives cheat on their husbands affair dating sites why do men have affairs
website why are women unfaithful redirect
read cheat husband click here
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  573
إجمالي عدد الزوار
  7370931

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع