مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

دعوى أن ما أصابه - صلى الله عليه وسلم - من رعب أثناء لقائه الأول مع جبريل - عليه السلام - دليل على عدم نبوته(*)

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن الرعب والخوف اللذين أصابا النبي - صلى الله عليه وسلم - أثناء لقائه الأول مع جبريل - عليه السلام - حينما أتاه بغار حراء، دليل على عدم نبوته، ويستدلون على ذلك بأن الرعب والخوف لا معنى لهما في هذا الموقف، ثم إنهما - حسبما يزعمون - لم يحدثا لنبي من الأنبياء قبله في بداية نبوته، وبأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لو كان نبيا حقا لما سمح لجبريل - عليه السلام - أن يأخذه ويهزه بشدة ثلاث مرات حتى آلمه، ولفعل كما فعل موسى - عليه السلام - حينما جاءه ملك الموت يقبض روحه، فلطمه موسى - عليه السلام - وفقأ عينه. ويهدفون من وراء ذلك إلى إنكار نبوته - صلى الله عليه وسلم - واتهامه - صلى الله عليه وسلم - بأنه كان بدعا من الرسل في نبوته؛ بغية إخراجه - صلى الله عليه وسلم - بذلك من جملتهم.

وجوه إبطال الشبهة:

1)  النبي - صلى الله عليه وسلم - بشر يطرأ عليه ما يطرأ على سائر البشر، فلا عجب أن يصاب بالخوف والرعب حال إعلامه - صلى الله عليه وسلم - بالنبوة، وهو أمر لا يحتمله عقل أي كائن من البشر، مهما بلغت مقدرته على تملك مكونات نفسه وجسمه وعقله وسائر قواه.

2)  لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدعا من الرسل - عليهم السلام - في شعوره بالرعب عند إعلامه بالنبوة، ورهبته - صلى الله عليه وسلم - لا تقل عن رهبة موسى عليه السلام - مثلا - عند إعلامه بالنبوة، وإن احتمالهما لهذه الحادثة، - وإن أحسا برعب وفزع - لدليل قاطع على نبوتهما - عليهما السلام -.

3)  هناك فرق كبير بين ما حدث لمحمد - صلى الله عليه وسلم - حينما هزه جبريل ثلاث مرات، وبين ما فعله موسى - عليه السلام - حينما لطم ملك الموت؛ ذاك أن جبريل - عليه السلام - جاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - بصورته الملائكية، وهو أول لقاء به، بينما جاء ملك الموت لموسى - عليه السلام - في صورة بشرية، فظنه رجلا؛ فلطمه دفاعا عن نفسه.

التفصيل:

أولا. بشرية النبي - صلى الله عليه وسلم - تقتضي خوفه من أمر لم يتوقعه، ولا يحتمله البشر:

في البداية لا بد أن نوضح تلك الحقيقة التي لا مراء فيها، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم - وسائر الأنبياء والرسل - بشر كغيرهم من البشر، يطرأ عليهم ما يطرأ على سائر البشر من مشاعر وآفات وتغييرات وآلام وأسقام، وهذا كله لا يعد نقيصة فيه - صلى الله عليه وسلم - لأن الشيء إنما يسمى ناقصا بالإضافة إلى ما هو أتم منه وأكمل من نوعه، وقد كتب الله - عز وجل - على أهل هذه الدار كلها بأنهم فيها يحيون، وفيها يموتون، ومنها يخرجون، فالمرض والشكوى منه والتداوي، والإحساس بالحر والبرد، وإدراك الجوع والعطش، والغضب والضجر، والتعب والضعف، والموت، كل ذلك من سمات البشر كلها، والتي لا محيص عنها[1].

ولقد بين - سبحانه وتعالى - هذه الحقيقة في كثير من آيات القرآن كقوله سبحانه وتعالى: )قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد( (الكهف: ١١٠).

 وبناء على ما سبق، فإننا لا نجد أي غرابة ولا غضاضة في أن يصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرعب والخوف من رؤيته لجبريل - عليه السلام - أول مرة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - بشر، وقد حدث له شيء غريب لم يحدث له من قبل.

وفيما يأتي نفصل الحديث عن هذا اللقاء كما روته كتب السنة:

فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة - رضي الله عنها - فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال له: "اقرأ"، فقال: "ما أنا بقارئ"، قال: "فأخذني فغطني[2] حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: )اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3)( (العلق)".

فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - فقال: "زملوني[3] زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي"، فقالت خديجة: "كلا، والله ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» [4].

فهذا الحديث يبين بداية تلقي النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمر نبوته أول مرة، وما أصابه - صلى الله عليه وسلم - من الخوف والرعب يؤكد بشريته - صلى الله عليه وسلم - وإلهية ما أنزل عليه، فقد تعرض - صلى الله عليه وسلم - في لقائه هذا في غار حراء للمفاجأة، وتحققت هذه المفاجأة ثلاث مرات متواليات:

الأولى: في دخول الملك عليه - صلى الله عليه وسلم - مختلاه ومتعبده، دون تمهيد يشعر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن أحدا سيدخل عليه في الغار.

الثانية: في رؤيته للملك جبريل - عليه السلام - على صورته الملائكية، وقد سد الأفق.

الثالثة: في أمره بالقراءة عقب دخوله عليه مباشرة، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب! وفي كل ذلك نوع من المفاجأة الباغتة المؤثرة على الطبيعة البشرية بما يهز كيانها هزا يقحم عليها الرعب والفزع.

ومن هنا كان خوف النبي - صلى الله عليه وسلم - وفزعه خوفا وفزعا بشريا، رجف منه فؤاده وسائر جسده، وظهرت على بشريته آثاره، حتى هدأت نفسه، فتلقى رسالة ربه متثبتا، مغمورا بأنوار شهود العزة الإلهية في يقين لا يداخله أدنى شك في اصطفائه رسولا بعد اجتبائه نبيا من الصالحين، ثم إن قوله صلى الله عليه وسلم: "فغطني حتى بلغ مني الجهد" يبين مدى الشدائد التي صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا اللقاء المفاجئ إلى جانب ما تقدم ذكره، إذ غطه الملك ثلاث مرات، والغط: العصر الشديد، وحبس النفس، وكأنه أراد: ضمني وعصرني[5]، وفي كل مرة من هذا الغط بلغ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجهد مبلغه وغايته حتى ظن بنفسه الموت.

ثم إن هذا الغط وذلك العصر له دلالة عظمى وهي إشعار الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أول وهلة تلقى فيها الوحي بأن مهمته مهمة ثقيلة وكذلك مهمة كل داع إلى الله عز وجل، ألم يأته الوحي قريبا من ذلك بسورة المزمل وفيها: )إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5)( (المزمل)؟!

ثانيا. لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدعا من الرسل - عليهم السلام - في شعوره بالخوف والرعب عند إعلامه بالنبوة:

لقد ادعى من أثار هذه الشبهة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بدعا من الرسل في شعوره بالخوف والرعب عند إعلامه بالنبوة، وفي ذلك إنكار نبوته - صلى الله عليه وسلم - وإخراجه من جملة الأنبياء لمخالفته - كما يدعون - لهم في حالته وقت نزول الوحي.

وإن ادعاء هؤلاء مردود بما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة والكتب المقدسة، وسنكتفي هنا برصد اللحظات التي تعرض فيها موسى - عليه السلام - لحادثة إعلامه بأمر نبوته يقول موفق الجوجو في كتابه "قوانين النبوة":

عندما انطلق موسى - عليه السلام - وزوجته عائدا إلى مصر عبر الصحراء تاه عند مفترق الطرق، في الوقت الذي حلكت فيه الظلمة، في ليلة ليس فيها قمر ولا ضياء، وحانت من موسى - عليه السلام - التفاتة جعلته يدرك أن نارا يمكن الوصول إليها تضيء في مكان قريب.

ترك موسى - عليه السلام - زوجته في مكانها خشية أن يضيع عن مفترق الطرق، وقال لها: إن هذه النار التي رأيناها ما هي إلا دليل على وجود أشخاص بالقرب منها قد أوقدوها لسبب أو لآخر، فاقعدي حتى أجلب شيئا من النار للتدفئة، أو أسأل عن الطريق الصحيحة المؤدية إلى مصر.

يقول الله - سبحانه وتعالى - في قرآنه الكريم: )وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10)( (طه).

وتوجه موسى - عليه السلام - إلى النار وعيونه محدقة فيها؛ آملا أن يشاهد الخيمة التي يأوي إليها الأشخاص الذين أشعلوا النار، أو الأغنام التي أشعل لها الرعاة النار بالقرب منها لإخافة وحوش الصحراء.

واقترب موسى - عليه السلام - إلى الحد الذي تبين معه تماما أنه ليس هناك بشر ولا أغنام، عند ذلك أصبح موسى - عليه السلام - يدور في رأسه سؤال واحد: من الذي أشعل النار إذا؟ في هذه اللحظة سمع صوتا يقول له: يا موسى! قال تعالى: )فلما أتاها نودي يا موسى (11)( (طه).

تلفت موسى - عليه السلام - خلفه فلم يجد أحدا، فلو وضعت نفسك بدلا منه؛ لسألت نفسك سؤالا واحدا: من يقول هذا الكلام ولا أراه؟ ومن يستطيع أن يعرف اسمي في هذه الصحراء الموحشة؟ عندها سوف تجد في نفسك إجابة واحدة: إنه جني!

وهنا يصل الرعب إلى أقصى درجات الإحساس به، ومع ذلك تماسك موسى، لكنه لم يجب، ولم ينبس ببنت شفة[6]، لشدة الخوف الذي اعتراه، عند ذلك أخبره الله سبحانه وتعالى: )إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12)( (طه).

عند ذلك خفف الله تعالى من حالة الرعب التي أصابته، وشرح له قصة النار التي شاهدها، فقال سبحانه وتعالى: )فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (8) يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9)( (النمل).

تمالك موسى - عليه السلام - نفسه عندما أنزل الله تعالى سكينته عليه، لكنه بقي صامتا لا يتكلم، لكن الله - سبحانه وتعالى - جعله يستأنس عندما حاوره، فقال - سبحانه وتعالى - له: )وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (18) قال ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى (21)( (طه).

ألقى موسى - عليه السلام - عصاه إلى الأرض فإذا هي ثعبان مبين، فخاف خوفا شديدا، فاستدار راكضا، وظل يركض حتى ناداه الله تعالى، وقال له: إن الأنبياء لا يخافون، لأني أنا الذي أرسلتهم، وأنا أتولى حمايتهم، قال سبحانه وتعالى: )وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10)( (النمل).

رجع موسى - عليه السلام - إلى مكانه عندما علم أن الله عاصمه من كل شيء، ومد يده فتلقى ذيل الأفعى فعادت عصا كما كانت، فقال له الله: أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء فتعود إلى حالتها الطبيعية عند إدخالها في جيبك مرة أخرى، عندها فعل موسى - عليه السلام - ما أمره الله: )وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12)( (النمل).

وذهب الروع تماما عن موسى - عليه السلام - وأخبره الله تعالى بأنه سيؤيده بتسع معجزات؛ لتكون دليلا على نبوته أمام فرعون وبني إسرائيل، عند ذلك انطلق لسان موسى - عليه السلام - وأخذ يسأل ربه ما شاء الله أن يسأل.

وقد اعتمدنا آنفا الرواية القرآنية لمشهد الإخبار بالنبوة عند موسى عليه السلام، وهي رواية توضح تماما حقيقة ما نروي، على الرغم من أن الرواية القرآنية لا تتعارض بشكل كبير مع الرواية التوراتية لهذا المشهد الرهيب.

وواضح بعد هذا كله أن مشهد الإخبار بالنبوة عند محمد صلى الله عليه وسلم - كما سبق أن ذكرنا - لا يقل رهبة عن رهبة المشهد عند موسى - عليه السلام - إلا أن المشهد عند محمد - صلى الله عليه وسلم - محدد المكان تماما، ومحدد الزمان بدقة متناهية.

ويتضح مما حدث لموسى ومحمد - عليهما السلام - عند إعلامهما بالنبوة أن استقبال خبر النبوة لأول مرة صعب جدا، لا يستطيع أي إنسان احتماله، ولا حتى إدراك وقعه وصعوبته.

ولعل مشاهدة أو معايشة حادثة غير متوقعة لا يستطيع البشر تحملها - أمر غير مستطاع، وربما أدى إلى الذهاب بعقول الناس، ودليل ذلك ما نستطيع لمسه لدى المرضى النفسيين الذين أذهبت حوادث صعبة عقولهم، وعلى النقيض من ذلك فإنك تجد الأنبياء بعد حادثة مرعبة مثل حادثة الإعلام بالنبوة يزدادون بعدها حكمة وذكاء وبصيرة، لا يستطيع أن يرقى إليها أحد من البشر.

وعلى العموم فإن ظهور النار في وسط صحراء مظلمة، وكلام الله - عز وجل - لموسى عليه السلام، وظهور جبريل - عليه السلام - لمحمد - صلى الله عليه وسلم - في الجبل تارة وفي السماء تارة أخرى وفي صحراء مظلمة أيضا، مكلما إياه بلغة الأمر - ليس أمرا عاديا يستطيع أي شخص احتماله.

إن أحدا من البشر العاديين لا يستطيع احتمال موقف واحد من المواقف التي تعرض لها هؤلاء الأنبياء الكرام، ولولا أن الله - سبحانه وتعالى - قد جعل في هؤلاء الأنبياء قدرات تؤهلهم لتحمل هذه المواقف، لذهبت هذه المواقف بعقولهم، ولما كانوا قادرين على إتمام استقبال الوحي، وبالتالي متابعة النبوة[7].

ونخلص من هذا إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بدعا من الرسل - عليهم السلام - في شعوره بالخوف والرعب عند إعلامه بالنبوة، فما أصابه أصاب موسى وسائر الأنبياء - عليهم السلام - قبله، فلماذا يستند المغرضون إلى هذا الشعور في إنكارهم نبوته - صلى الله عليه وسلم - دونهم؟!

ثالثا. الفرق بين رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل - عليه السلام - في الغار بصورته الملائكية، ومجيء ملك الموت لموسى - عليهما السلام - في صورته البشرية:

لقد سبق أن تحدثنا عن الأسباب التي دفعت النبي - صلى الله عليه وسلم - للخوف والرعب الشديدين، وكذلك ذكرنا ما حدث له - صلى الله عليه وسلم - من مفاجآت في لقائه الأول بجبريل - عليه السلام - ومنها أن جبريل - عليه السلام - أخذه فهزه بشدة ثلاث مرات، وقد بينا أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أصابه الذهول لهذه المفاجأة، فلم يستطع أن يفعل شيئا.

وهنا قد يسأل أحدهم: لماذا لم يفعل محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو نبي مع جبريل - عليه السلام - ما فعله موسى - عليه السلام - من قبل مع ملك الموت حينما أتاه ليقبض روحه، إذ لطمه موسى - عليه السلام - وفقأ له عينه؟! هل كان محمد - صلى الله عليه وسلم - يفتقد القوة التي كانت لدى موسى حينما فعل ذلك؟ ونحن بدورنا سنجيب عن هذه الأسئلة، لنوضح لهؤلاء هذا اللبس الذي وقعوا فيه، ولننزه نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - من أية شائبة تشكك في صدقها.

إن حقيقة ماحدث مع موسى - عليه السلام - حينما لطم ملك الموت وفقأ له عينه تظهر جليا حينما نعرض هذه القصة كاملة كما جاءت في كتب السنة:

فعن أبي هريرة موقوفا، قال: «أرسل ملك الموت إلى موسى - عليه السلام - فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. قال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت؛ قال: فالآن» [8].

ومن معاني بعض ألفاظ الحديث ما يلي:

o   صكه: ضربه على عينه، وبعض الروايات بلفظ: "فلطمه", واللطم: ضرب الوجه بباطن راحة اليد، وبزيادة "فقأ عينه"، وفقأ العين: إخراج حدقتها التي بها تبصر.

o        متن ثور: المتن: الظهر.

فمن هذا الحديث يتضح لنا: أن الله - عز وجل - لم يبعث ملك الموت لموسى - عليه السلام - وهو يريد قبض روحه في المرة الأولى، وإنما بعثه إليه ليخيره، وموسى - عليه السلام - ما كان يعلم حين لطمه أنه ملك الموت؛ لأنه جاءه على صورة إنسان فلما رأى موسى - عليه السلام - إنسيا يريد الاعتداء عليه دافعه؛ لأن الإنسان مأمور بدفع من يعتدي عليه.

وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط - عليهما السلام - في صورة آدميين فلم يعرفاهم ابتداء، ولو عرفهم إبراهيم - عليه السلام - لما قدم لهم المأكول، ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه.

ويزيد الخطابي فيبين أن موسى - عليه السلام - دفع الملك عن نفسه لما ركب فيه من الحدة، وقد رد الله عين ملك الموت، ليعلم موسى عليه السلام - أنه جاء من عند الله - عز وجل - فلهذا استسلم حينئذ[9].

ومن ثم فإن ما حدث للنبي - صلى الله عليه وسلم - مع جبريل - عليه السلام - في أول لقاء له معه - يختلف تماما عما حدث مع موسى - عليه السلام - حينما لطم ملك الموت، ويمكننا أن نوجز هذا الاختلاف في نقطتين:

1.  إن جبريل - عليه السلام - حينما أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول مرة كان بصورته الملائكية التي لا عهد للنبي - صلى الله عليه وسلم - بها، بينما جاء ملك الموت إلى موسى - عليه السلام - بصورة بشرية؛ ولهذا لم يفزع موسى - عليه السلام - منه.

2.  إن ما حدث مع محمد - صلى الله عليه وسلم - كان في بداية نبوته، بل قبل تلقيه أمر النبوة، بينما كان الذي حدث مع موسى - عليه السلام - في نهاية نبوته قبل وفاته، ومن ثم فلا عجب أن يألف مثل هذه الأحداث الغريبة، ولا يفزع منها، بخلاف موقف التبشير بالنبوة، فقد فزع منه مثل محمد صلى الله عليه وسلم.

وهكذا يتضح لنا أن ما حدث للنبي - صلى الله عليه وسلم - في غار حراء في أول لقاء له مع جبريل - عليه السلام - من رعب شديد ومن أخذ جبريل - عليه السلام - له ثلاث مرات، وهزه بشدة - لا يتنافى أبدا مع نبوته صلى الله عليه وسلم، بل إن قدرته - صلى الله عليه وسلم - على تحمل ما حدث له - دليل قاطع من دلائل صدق نبوته صلى الله عليه وسلم.

الخلاصة:

·   لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كغيره من البشر يتعرض لما يتعرضون له، فلا عجب أن يصيبه الرعب والخوف، فما حدث له - صلى الله عليه وسلم - في أول لقاء له مع جبريل - عليه السلام - لم يكن متوقعا ولم يتعرض لمثله من قبل، كما أن فيه نوعا من المفاجأة الباغتة المؤثرة على طبيعته البشرية، التي هز الموقف كيانها هزا، وأدخل عليها الرعب والفزع.

·   قد يظن أن استقبال الأمر بالنبوة أمر عادي، ولكن الحقيقة أن بداية استقبال التكليف بالنبوة أمر لا يحتمله أي كائن من البشر، مهما بلغت مقدرته على تمالك نفسه وجسمه وعقله, إلا من اختاره الله وهيأه لهذه المهمة، ليشعره من أول الأمر أن طريق الرسل والدعاة ليس مفروشا بالورود وإنما هو ملبد دائما بالأشواك.

·   لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدعا من الرسل - عليهم السلام - في شعوره بالرعب والخوف عند إعلامه بالنبوة؛ ذلك أن الشعور نفسه أصاب موسى - عليه السلام - قبله، واحتمالهما - عليهما السلام - لهذا الأمر الجلل يؤكد نبوتهما ولا ينفيها.

·   هناك فرق كبير بين ما حدث لمحمد - صلى الله عليه وسلم - حينما استسلم لجبريل - عليه السلام - عندما أخذه ثلاث مرات وهزه بشدة، وما فعله موسى - عليه السلام - حينما لطم ملك الموت، فقد جاء جبريل - عليه السلام - للنبي - صلى الله عليه وسلم - في أول مرة بصورته الملائكية التي لا عهد له بها، بينما جاء ملك الموت لموسى - عليه السلام - بصورته البشرية فظنه رجلا يريد قتله فدافع عن نفسه. وكان هذا في آخر حياته، بينما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في بداية تحمله الدعوة والرسالة، ولم يكن يألف مثل هذه الأحداث الغريبة.

 



(*) محمد في مكة، مونتجمري وات، ترجمة: د. عبد الرحمن الشيخ، حسين عيسى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2002م.

[1]. رد شبهات حول عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، د. عماد السيد الشربيني، مطابع دار الصحيفة، مصر، ط1، 1424هـ/ 2003م، ص101.

[2]. الغط: هو العصر الشديد.

[3]. زمل: لف، يقال: تزمل بثوبه إذا التف فيه.

[4]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (3)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله (422).

[5]. رد شبهات حول عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، د. عماد السيد الشربيني، مطابع دار الصحيفة، مصر، ط1، 1424هـ/ 2003م، ص230 بتصرف يسير.

[6]. بنت شفة: الكلمة.

[7]. قوانين النبوة، موفق الجوجو، دار المكتبي، دمشق، ط1، 1423هـ/ 2002م، ص55: 62 بتصرف.

[8]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب من أحب الدفن ليلا في الأرض المقدسة أو نحوها (1274)، وفي موضع آخر، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم (6297).

[9]. عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، مصر، 1399هـ/ 1979م، ص349، 350 بتصرف يسير.

click here unfaithful spouse women cheat husband
my husband cheated married looking to cheat open
online redirect read here
viagra vison loss vasodilator viagra read
why wife cheat cheat on my wife why women cheat in relationships
website why some women cheat redirect
read here my husband cheated on me why women cheat on men
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  9127
إجمالي عدد الزوار
  7936946

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع