مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

الزعم أن الحماس الزائد هو الذي دفع محمدا - صلى الله عليه وسلم - إلى إعلان نبوته(*)

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المشككين أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كان مجرد رجل صالح اعتقد أنه نبي فتحمس لنشر معتقداته، ويستدلون على ذلك بما يزعمونه من أنه - صلى الله عليه وسلم - اعتمد في إثبات نبوته ونشر دعوته على قوة اعتقاده وشدة حماسته فقط, كما يزعمون أن حماسه الزائد لذاته وأهدافه الشخصية قد طغى على حماسه لقضية الدين والدعوة إلى الله في بعض مراحل دعوته. ويرمون من وراء ذلك إلى قصر دوره - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة والتبليغ على كونه رجلا صالحا متحمسا؛ بغية الطعن في نبوته صلى الله عليه وسلم، والتشكيك في حقيقة أمره.

وجها إبطال الشبهة:

1)  لقد اعتمد النبي - صلى الله عليه وسلم - في إثبات نبوته ونشر دعوته على تأييد الله - عز وجل - له، ولم يغب عنه - صلى الله عليه وسلم - ذاك المعتقد طرفة عين.

2)  لم تعهد البشرية - على طول تاريخها - رجلا أخلص لمعتقده ورسالته وتحمس لأمر دينه ودعوته إخلاص النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك الحماس الذي لم يفتر في أي مرحلة من مراحل الدعوة ولم ينشغل عنه - صلى الله عليه وسلم - بأي غرض آخر.

التفصيل:

 أولا. لم يعتمد محمد - صلى الله عليه وسلم - في إثبات نبوته ونشر دعوته على قوة اعتقاده وحماسه لدعوة الناس فحسب، بل اعتمد في المقام الأول على تأييد الله له في مراحل الدعوة:

من الخطأ الكبير أن يعتقد أحد من الناس أن رسالة الإسلام قامت على حماسة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإيمانه المجرد بذاته؛ لأن العقل والواقع يرفضان رفضا تاما أن تقوم دعوة ملأت مشارق الأرض ومغاربها، واستمرت وستستمر إن شاء الله إلى يوم الدين على اعتقاد من صاحبها، إلا إذا كان هذا الاعتقاد صادقا.

لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - متحمسا أشد التحمس في دعوته إلى الله - عز وجل - وقد كان - صلى الله عليه وسلم - حريصا أشد الحرص على هداية قومه، ودخولهم الإسلام، ولكن الذي يرفضه واقع دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تكون هذه الحماسة هي الدعامة الوحيدة التي اعتمد عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته إلى الإسلام، فكم من دعوة إلى الإصلاح والتغيير وئدت في مهدها رغم حماسة أصحابها لها، وكم من دعوة وصلت إلى عنان السماء بجهد أهلها، ثم ما لبثت أن هوت إلى الأرض، ودفنت مع أصحابها، وكم من دجال ادعى النبوة، ولكن الله خذله وجعله عبرة لمن يعتبر.

إننا نسأل كل هؤلاء: أين هذه الدعوات؟ إنها قد ماتت على الرغم من إيمان أصحابها بها، وحماستهم الشديدة لها, لقد تلاشت هذه الدعوات كما يتلاشى الظلام أمام ضوء الشمس، وصارت كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.

أين هذه الدعوات من دعوة الإسلام، ورسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - التي ملأت الآفاق، وظهرت دلائل صدقها، وما زالت تظهر في كل حين )سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق( (فصلت: ٥٣)؟

إن دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التوحيد قد أثارت حفيظة المشركين وحميتهم، بحيث شكلوا خطرا حقيقيا على حياته - صلى الله عليه وسلم - منذ اللحظة الأولى التي جهر فيها بدعوته، وتعرض لكثير من الاضطهاد والأذى طوال فترة إقامته بمكة، وكذلك إجماع المشركين وعزمهم على قتله ليلة الهجرة، كما لم تكن حياته في المدينة المنورة بعد الهجرة أكثر أمنا، ولا أرغد عيشا؛ فقد أثارت دعوته حقد اليهود ومكرهم، حيث تشابكت أيدي اليهود والمشركين فشكلوا خطرا مزدوجا على حياة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وكثرت المؤامرات الهادفة إلى اغتياله، كتلك التي حاول فيها اليهود إلقاء صخرة عليه وهو في زيارة لحيهم, كما حاولوا قتله بالسم عن طريق إطعامه بعضا من شاة مسمومة أثناء زيارته لخيبر، ولا يغيب عن الأذهان غزوة الأحزاب التي اتحد فيها المشركون واليهود لمحاربة الإسلام واستئصاله، وغير ذلك كثير من المؤامرات الهادفة للقضاء عليه وعلى دعوته, فإذا لم يكن محمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا, فمن كان يحفظه ويعصمه من الناس إذن؟

لا يمكن لعاقل أن يصدق أن رجلا مثل محمد - صلى الله عليه وسلم - والذي انشغل بدعوة الناس دعوة عملية، وانشغل بأعدائه، وانشغل بتأسيس الدولة الإسلامية، وانشغل بفتوحاته المقدسة، رجل عانى في حياته، ولم يتراجع عن شيء آمن به ودعا إليه - كان دجالا كاذبا، اعتقد أنه نبي وصدق اعتقاده، فقام يدعو الناس معتمدا على حماسته في الدعوة، وعلى اعتقاده فحسب[1].

والأقرب للمنطق والعقل والواقع أن دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - قد قامت على نصرة الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وتأييده له في كل مراحل هذه الدعوة، ويمكن أن نوضح بعضا من هذه الدعائم التي اعتمد عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته الناس للإيمان بالله، والإيمان به كنبي خاتم، ورسول من رب العالمين وهي:

1.    إقرار الله تعالى له ولدعوته:

من أدلة صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - إقرار الله لدعوته؛ فإن الله - سبحانه وتعالى - أخبر أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لو تقول على ربه شيئا من الأقاويل لأهلكه قال سبحانه وتعالى: )ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين (47)( (الحاقة). وقال سبحانه وتعالى: )قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69)( (يونس)، وقال سبحانه وتعالى: )إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3)( (الزمر)، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما خاب بل هدي وأفلح في كل المجالات.

وقد قرر ابن القيم هذا الدليل في كتابه "هداية الحيارى" أوضح تقرير، فقال: وقد جرت لي مناظرة بمصر مع أكبر من يشير إليه اليهود بالعلم والرياسة، فقلت له في أثناء الكلام: أنتم بتكذيبكم محمدا - صلى الله عليه وسلم - قد شتمتم الله أعظم شتيمة، فعجب من ذلك، وقال: مثلك يقول هذا الكلام؟ فقلت له: اسمع الآن تقريره، إذا قلتم: إن محمدا ملك ظالم، وليس برسول من عند الله، وقد أقام ثلاثا وعشرين سنة يدعي أنه رسول الله أرسله إلى الخلق كافة، ويقول أمرني الله بكذا ونهاني عن كذا، وأوحى إلي كذا، ولم يكن من ذلك شيء، وهو يدأب في تغيير دين الأنبياء، ومعاداة أممهم، ونسخ شرائعهم، فلا يخلو إما أن تقولوا: إن الله - سبحانه وتعالى - كان يطلع على ذلك ويشاهده ويعلمه، أو تقولوا: إنه خفي عنه ولم يعلم به، فإن قلتم: لم يعلم به. نسبتموه إلى أقبح الجهل، وكان من علم ذلك أعلم منه، وإن قلتم: بل كان ذلك كله بعلمه ومشاهدته واطلاعه عليه، فلا يخلو إما أن يكون قادرا على تغييره والأخذ على يديه ومنعه من ذلك أو لا، فإن لم يكن قادرا فقد نسبتموه إلى أقبح العجز المنافي للربوبية، وإن كان قادرا وهو مع ذلك يعزه وينصره، ويؤيده ويعليه ويعلي كلمته، ويجيب دعاءه، ويمكنه من أعدائه، ويظهر على يديه من أنواع المعجزات والكرامات ما يزيد على الألف، ولا يقصده أحد بسوء إلا أظفره به، ولا يدعوه بدعوة إلا استجابها له، فهذا من أعظم الظلم والسفه الذي لا يليق نسبته إلى آحاد العقلاء، فضلا عن رب الأرض والسماء، فكيف وهو يشهد له بإقراره على دعوته وبتأييده وبكلامه، وهذه عندكم شهادة زور وكذب، فلما سمع ذلك قال: معاذ الله أن يفعل الله هذا بكاذب مفتر بل هو نبي صادق[2].

ومثل هذا "لو أن حاجب الأمير قال للناس: إن الأمير قد أمركم بفعل كذا وكذا. فإن الناس يعلمون أنه لا يتعمد الكذب في مثل هذا، وإن لم يكن بحضرته، فكيف إذا كان بحضرته وبعلمه".

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يكاد يدعو بدعاء إلا استجاب الله تعالى له في الحال، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة، من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب، فاستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما، ثم قال: يا رسول الله, هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا"، قال أنس: والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة[3]، وما بيننا وبين سلع[4]من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس ستا»[5]. وفي رواية: «فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر[6] على لحيته صلى الله عليه وسلم، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب، فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا. قال: فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام[7] والظراب[8] وبطون الأودية، ومنابت الشجر". قال: فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس، وصارت المدينة مثل الجوبة[9]، وسال الوادي قناة شهرا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود»[10].

إلى غير ذلك من الأدعية الكثيرة جدا، التي استجاب الله له - صلى الله عليه وسلم - فيها في الحال، وهذا لا يمكن أن يتيسر لكاذب، بل لا يكون إلا لصادق مؤيد من الله عز وجل، فيطوع له الطبيعة، ويسخر له السحاب والأمطار.

2.    تأييد الله له، والأمثلة كثيرة نكتفي منها بالآتي:

·         تأييد الله لرسوله أثناء هجرته:

خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، مهاجرين إلى المدينة النبوية، واختفيا في غار ثور ثلاثة أيام، وصعد المشركون إلى الغار بحثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، فحفظ الله نبيه وأبا بكر منهما، قال أبو بكر: قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما"؟[11] وأشار القرآن إلى ذلك فقال سبحانه وتعالى: )إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (40)( (التوبة).

·         نصرة الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بالريح الشديدة في غزوة الأحزاب:

يقول الله سبحانه وتعالى: )يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11)( (الأحزاب).

فلقد تجمع الأحزاب من الكفار لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عددهم نحوا من عشرة آلاف، وتحالفوا مع اليهود القاطنين في شرق المدينة على حرب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، واشتد الحال على المسلمين الذين حفروا خندقا بينهم وبين الكفار، واستمر الكفار قريبا من شهر، وهم يحاصرون المسلمين في المدينة.

فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه أن ينصره على المتمالئين على الإسلام فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم»[12].

فاستجاب الله دعاء رسوله، وأرسل على الأحزاب ريحا شديدة أقضت مضاجعهم[13]، وجنودا زلزلتهم مع ما ألقى الله بينهم من التخاذل, فأجمعوا أمرهم على الرحيل وترك المدينة النبوية.

ولو كانت هذه المعجزة لم تقع لتشكك المسلمون في القرآن، وربما ارتدوا عن دينهم، قائلين: كيف نصدق ما لم يقع؟!

·         وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى "يوم بدر":

يقول تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في شأن القبضة من التراب التي حصب[14] بها وجوه الكافرين يوم معركة بدر حين خرج عليهم - صلى الله عليه وسلم - من العريش بعد دعائه وتضرعه فرماهم بها، وقال: «شاهت الوجوه» [15] [16]. فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: )وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى( (الأنفال: ١٧)، أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت.

ولو لم تكن تلك الرمية من الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد حدثت لسارع المسلمون والمؤمنون بتكذيب الآية, واتهام الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بالكذب, وحاشاه - صلى الله عليه وسلم - أن يكذب[17].

كان الله - سبحانه وتعالى - هو المؤيد لهذه الدعوة في كل مراحلها، والموفق نبيه لهداية خلقه، ولا شك أن الحماس وحده لا يكفي لبناء دين، أو إخراج أمة من الظلام إلى النور، وقد صدق القائل:

إذا لم يكن عونا من الله للفتى

فأول ما يقضي عليه اجتهاده

ويقول كارليل - أحد المستشرقين غير المسلمين - مبينا هذه الحقيقة: "لقد أصبح من أكبر العار على كل فرد متمدن من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يشيع المغرضون من أن محمدا خداع ومزور، وعلينا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة، فالرسالة التي دعا إليها هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - ظلت سراجا منيرا أربعة عشر قرنا من الزمان لملايين كثيرة من الناس، وما الرسالة التي رواها محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا الصدق والحق، وما كلمته إلا صوت الحق صادر من العالم المجهول، وما هو إلا شهاب أضاء العالم أجمع، ذلك أمر الله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" [18].

ثانيا. لم تعرف البشرية، ولن تعرف رجلا كان مخلصا ومتحمسا لقضية الدعوة إلى الله مثل محمد صلى الله عليه وسلم:

 لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - متفردا في عزيمته، مثالا ساميا في الصبر، وكان - صلى الله عليه وسلم - أشرف الناس مقصدا، وأخلصهم نية لله، ولا عجب في ذلك، فهو الذي وضع الميزان الذي تقاس به الأعمال في الإسلام يقول صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى...». الحديث[19].

ومن ثم فلنا أن نقول ونحن واثقون بكل ما نقوله: إن البشرية لم تعرف، ولن تعرف شخصية أخلصت في الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى - مثل محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي جاءه الوحي قائلا له: )يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2)( (المدثر)، فقام يدعو إلى دين الله حتى أتاه اليقين، وقد ظل طوال حياته يراقب الله ويخشاه في جميع الأمور، فإذا جاءه أمر يحبه قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا أتاه أمر يكرهه قال: «الحمد لله على كل حال» [20]. وإن غزا قال: «اللهم أنت عضدي[21] ونصري، بك أحول[22]، وبك أصول[23]، وبك أقاتل».[24] وإن أراد نوما قال: «باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه».[25] وإن استيقظ قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور».[26] وإن أكل قال: «الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى نه ربنا».[27] وإذا أفطر من صيام قال: «ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله».[28] وإذا انقلب من الليل إلى فراشه قال: «لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار».[29] وإذا خاف قوما قال: «اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم».[30] وإذا حلف قال: «والذي نفس محمد بيده»[31].

من ذلك يتبين أنه صلى الله عليه وسلم، كان في جميع شئونه لا ينظر إلا إلى الله، ولا يستمد المعونة إلا من الله، ولا يرى لنفسه ولا لغيره حولا ولا قوة[32].

لقد أدبه ربه فأحسن تأديبه ومن هذا التعليم والتأديب قوله - سبحانه وتعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم: )قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162)( (الأنعام)، فهل يعقل لمن كانت هذه حياته أن يفتر لحظة واحدة، أو تشغله حاجة نفسه عن الدفاع عن دعوته إلى الله؟

لقد كان - صلى الله عليه وسلم - يحب لله ويكره لله، وكان - منذ بداية الدعوة حتى وفاته - صلى الله عليه وسلم - مخلصا لله في كل ما يفعل منكرا ذاته، متواضعا أشد التواضع، منشغلا عن حاجة نفسه وحاجة أهله، وكل ما يهمه هو هداية الناس إلى الإسلام، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وقد أدرك هذه الحقيقة بعض المنصفين من علماء الغرب، ومثل هذا ما ذكره د. م. ج دراني - وهو أحد الغربيين - عن محمد - صلى الله عليه وسلم - وما تحمله من أذى في سبيل دعوته لله إذ يقول: "تحمل - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر عاما كاملة من المتاعب في مكة دون انقطاع، وعشر سنوات في المدينة دون توقف، فتحمل ذلك كله، فلم يتزحزح شعرة عن موقفه، وكان صامدا رابط الجأش، صلبا في أهدافه وموقفه، عرضت عليه أمته - قومه - أن تنصبه ملكا عليها، وأن تضع عند قدميه كل ثروات البلاد إذا كف عن الدعوة إلى دينه، ونشر رسالته، فرفض هذه الإغراءات كلها واختار بدلا من ذلك أن يعاني من أجل دعوته. لماذا؟ لماذا لم يكترث أبدا للثروات، والجاه، والملك، والمجد، والراحة، والدعة، والرخاء؟ لا بد أن يفكر المرء في ذلك بعمق شديد إذا أراد أن يصل إلى جواب عليه".

ويقول كذلك: "هل بوسع المرء أن يتصور مثالا للتضحية بالنفس وحب الغير، والرأفة بالآخرين أسمى من هذا المثال؟! حيث نجد رجلا يقضي على سعادته الشخصية لصالح الآخرين، بينما يقوم هؤلاء القوم أنفسهم الذين يعمل على تحسين أحوالهم، ويبذل أقصى جهده في سبيل ذلك يقومون برميه بالحجارة، والإساءة إليه، ونفيه، وعدم إتاحة الفرصة له للحياة الهادئة حتى بعد هجرته، ورغم كل ذلك يرفض أن يكف عن السعي لخيرهم، هل يمكن لأحد أن يتحمل كل هذا العناء والألم من أجل دعوة مزيفة؟ هل يستطيع أي مدع غير مخلص أن يبدي هذا الثبات، والتصميم على مبدئه، والتمسك به حتى آخر رمق دون أدنى وجل أو تعثر أمام الأخطار وصنوف التعذيب التي يمكن تصورها، وقد قامت عليه البلاد بأكملها وحملت السلاح ضده" [33]؟!

ويؤيده قول توماس كارليل: "كان محمد - صلى الله عليه وسلم - مثلا للإخلاص، والوقوف إلى جانب الحق والعدالة في كل ما يفعل، وكل ما يقول وكل ما يفكر فيه، لم يكن محبا لنفسه، بل كان محبا لغيره أمينا في أداء رسالته".

وقوله أيضا: "يزعم المتعصبون من النصارى والملحدين أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية، ومفاخر الجاه والسلطان. كلا وايم الله! لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير ابن القفار والفلوات، المتورد المقلتين، العظيم النفس المملوء رحمة وخيرا، وحنانا وبرا، وحكمة وحجى، وإربة ونهى، أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه، وكيف لا، وتلك نفس صافية ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين" [34].

نعم، لقد كانت سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - من مبدأ ميلاده إلى أن توفاه الله مثالا جليا للإخلاص والتفاني في الدعوة في سبيل الله، فلننظر مثلا إلىه - صلى الله عليه وسلم - وما أصابه في غزوة أحد من حوادث أليمة، فإنه مع هذا لم يتكدر خاطره، ولم يصبه هم أو غم؛ لأنه يعلم أن ما أصابه كان في سبيل الله ولله، فلم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يفكر إلا في الدعوة إلى الله، لم ينتظر أجرا ولا مكافأة مقابل دعوته، فكان شعاره: )إن أجري إلا على الله( (يونس: ٧٢).

حتى إن ربه أشفق عليه فعاتبه قائلا: )فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6)( (الكهف).

ومن ثم فلا يحق لأحد من الناس أن يزعم أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مخلصا لله، أو أن حماسه في الدعوة إلى الله قد فتر في أي مرحلة من مراحل دعوته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كما سبق القول لم تعرف البشرية - ولن تعرف - رجلا أخلص في دعوته لله مثل محمد صلى الله عليه وسلم, ولا أصدق نية منه صلى الله عليه وسلم، الذي عرضت عليه الدنيا بحلاوتها ونضارتها، وكنوزها، فأعرض عنها، واكتفى برضا ربه عز وجل.

هل يمكن أن يكون رجل في زهد محمد - صلى الله عليه وسلم - غير مخلص لقضية ربه، أو أنه كان يسعى بدافع من الأنانية، هذا ما لا يمكن أن يقره عقل منصف.

الخلاصة:

·   إن العقل والواقع يرفضان رفضا تاما أن تكون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، قد قامت على قوة اعتقاده أو حماسه للدعوة فحسب؛ لأن البشرية لم تشهد مثل هذه الدعوة التي قامت على مجرد اعتقاد صاحبها، أو حماسته لدعواه، فما بالنا بدعوة الإسلام التي ملأت بنورها مشارق الأرض ومغاربها.

·   إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - قد اعتمد في المقام الأول على تأييد الله له ونصره في كل مراحل دعوته، والأمثلة على ذلك كثيرة لا حصر لها، يضيق المقام هنا عن ذكرها مثل تأييد الله له أثناء هجرته، ونصرته بالريح الشديدة في غزوة الأحزاب، واستجابة الله له في كل ما دعاه، وكل هذا دليل جلي على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

·   لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - متفردا في عزيمته، وكان أشرف الناس مقصدا وأخلصهم نية لله، فقد كانت حياته كلها لله، وحماسته من أجل الله، لا ينسب لنفسه أي فضل، مفتخرا دائما بفضل الله عليه، فقد كان في جميع شئونه لا ينظر إلا إلى الله، ولا يستمد المعونة إلا من الله، ولا يرى لنفسه ولا لغيره حولا ولا قوة؛ لهذا حق لنا أن نقول: إن البشرية لم تشهد رجلا أخلص لله مثل محمد - صلى الله عليه وسلم - هذا الإخلاص الذي لم يشغله عنه أي شيء آخر, أو أية قضية أخرى، حتى ولو كانت حاجة نفسه وأهله صلى الله عليه وسلم.

 



(*) الإسلام في تصورات الغرب، د. محمود حمدي زقزوق، مكتبة وهبة، مصر، 1407هـ/ 1987م.

[1]. وامحمداه: الحميم والنار على من سب النبي المختار، محمد عبد الحليم عبد الفتاح، طبعة خاصة، ط1، 2006م، ص201 بتصرف.

[2]. هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ابن القيم، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، د. ت، ص87، 88.

[3]. القزعة: قطع السحاب المتناثرة في السماء.

[4]. سلع: اسم جبل.

[5]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة (968)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء (2115).

[6]. يتحادر: يتساقط.

[7]. الآكام: التلال.

[8]. الظراب: جمع ظرب، وهو الجبل المنبسط.

[9]. الجوبة: كل متسع من الأرض بلا بناء.

[10]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب رفع اليدين في الخطبة (891)، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء (2116).

[11]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب المهاجرين وفضلهم (3453)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق (6319).

[12]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة (2775)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو (4641).

[13]. أقضت مضاجعهم: أقلقتهم كأنهم ينامون على الحصى.

[14]. حصب: رمى.

[15]. شاهت الوجوه: قبحت.

[16]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين (4719).

[17]. وامحمداه، محمد عبد الحليم عبد الفتاح، طبعة خاصة، ط1، 2006م، ص195: 199 بتصرف يسير.

[18]. الأدلة على صدق النبوة المحمدية، هدى عبد الكريم مرعي، دار الفرقان، الأردن، 1411هـ/ 1991م، ص459.

[19]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنية" (5036)، واللفظ للبخاري.

[20]. صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الأدب، باب فضل الحامدين (3803)، والطبرابي في المعجم الأوسط (6/ 375)، برقم (6663)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (265).

[21]. عضدي: ناصري ومعيني.

[22]. أحول: أكيد العدو.

[23]. أصول: أقهر.

[24]. صحيح: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب ما يدعى عند اللقاء (2634)، والترمذي في سننه، كتاب الدعوات، باب في الدعاء إذا غزا (3584)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4757).

[25]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب التعوذ والقراءة عند النوم (5961)، وفي موضع آخر، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع (7067).

[26]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا نام (5953)، وفي مواضع أخرى.

[27]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأطعمة، باب ما يقول إذا فرغ من طعامه (5953)، وفي مواضع أخرى.

[28]. حسن: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصوم، باب القول عند الإفطار (2359)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الصيام، باب ما يقول إذا أفطر (3329)، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (920).

[29]. صحيح: أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا انتبه من منامه (10700)، والحاكم في مستدركه، كتاب الدعاء والتكبير والتهليل (1980)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2066).

[30]. أخرجه أحمد في مسنده، مسند الكوفيين، حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه (19735)، وأبو داود في سننه، كتاب سجود القرآن، باب ما يقول الرجل إذا خاف قوما (1537)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4706).

[31]. صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الأيمان والنذور والكفارات، باب كيفما كانوا يحلفون (12486)، وابن ماجه في سننه، كتاب الكفارات، باب يمين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي كان يحلف بها (2090)، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة (2069).

[32]. محمد المثل الكامل، أحمد جاد المولى، مكتبة دار المحبة، دمشق، ط1، 1412هـ/ 1991م، ص93، 94 بتصرف يسير.

[33]. الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عيون غربية منصفة، الحسيني الحسيني معدي، دار الكتاب العربي، دمشق، القاهرة، ط1، 2006م، ص122، 123.

[34]. محمد المثل الأعلى، توماس كارليل، ترجمة: محمد السباعي، مكتبة النافذة، القاهرة، ط1، 2008م، ص70.

read why women cheat on men want my wife to cheat
why do men have affairs why do husband cheat why men cheat on beautiful women
click website dating site for married people
click here unfaithful spouse women cheat husband
signs of a cheater why married men cheat on their wives website
husbands who cheat open my boyfriend cheated on me with a guy
generic viagra softabs po box delivery viagra 50 mg buy viagra generic
where to order viagra online buy viagra free shipping viagra sipari verme
why do wife cheat on husband website reasons why married men cheat
why do wife cheat on husband wife cheaters reasons why married men cheat
website why are women unfaithful redirect
dating a married woman cheat on my wife i cheated on my husband
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  20
إجمالي عدد الزوار
  7936984

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع